
ضرورة النبوّة في تفسير الميزان (4)
شبهات وردود حول ضرورة النبوّة
هل تكفي الفطرة الإنسانيّة والتطوّر الطبيعيّ للمجتمعات لتحقيق الكمال والسعادة الحقيقيّة للإنسان؟ ما هو الفارق الجوهريّ بين الكمال الماديّ الجسديّ والكمال الإنسانيّ الشامل؟ ولماذا نحتاج إلى النبوّة إذا كانت الطبيعة تميل بطبعها نحو الصلاح؟ إذا كانت الدعوة الدينيّة حقّاً، فلماذا لا نرى أثرها متحقّقاً بالكامل في كلّ المجتمعات، وكيف تتسرّب القيم الدينيّة والأخلاقيّة إلى الأمم حتى تلك التي ابتعدت عن الدين؟ وأخيراً، ما هي طبيعة العلاقة بين الفطرة المودعة فينا وحقيقة التشريع والنبوّة؟ بحوث عقديّة واجتماعيّة عميقة حول فلسفة النبوّة وحاجة المجتمع الإنسانيّ لنهجها التكامليّ، يعالجها المفكّر العظيم العلاّمة الطباطبائي رضوان الله عليه.
ضرورة النبوّة في تفسير الميزان (٤)
2بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد للّه ربّ العالمين
وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين
ولعنة الله على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين
[استفاض العلاّمة الطباطبائي رضوان الله عليه في سياق بحوثه الكلاميّة والاجتماعيّة۱ في آية ﴿كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ ...﴾ في دراسة النبوّة وضرورتها ثمّ ناقش بعض الشبهات حول ذلك:]
الشبهة الأولى: ألا يغني تكامل الإنسان الفطري عن النبوّة؟
فإن قلت: هب أنّ العقل لا يستقلّ بالعمل في كلّ فرد أو في كلّ قوم في جميع التقادير و لكنّ الطبيعة تميل دائمًا إلى ما فيه صلاحها و الاجتماع التابع لها مثلها يهدي إلى صلاح أفراده، فهو يستقر بالآخرة على هيئة صالحة فيها سعادة أفراد المجتمعين، و هو الأصل المعروف بتبعية المحيط، فالتفاعل بين الجهات المتضادّة يؤدّي بالآخرة إلى اجتماع صالح مناسب لمحيط الحياة الإنسانيّة، جالب لسعادة النوعِ المجتمعِ الأفرادِ، و يشهد به ما نشاهده و يؤيّده التاريخ أنّ الاجتماعات لا تزال تميل إلى التكامل وتتمنّى الصلاح و تتوجّه إلى السعادة اللذيذة عند الإنسان، فمنها ما بلغ مبتغاه و أمنيته كما في بعض الأمم مثل سويسرة، و منها ما هو في الطريق و لمّا يتمّ له شرائط الكمال و هي قريبة أو بعيدة كما في سائر الدول.
قلت: تمايل الطبيعة إلى كمالها و سعادتها ممّا لا يسع أحدًا إنكاره، و الاجتماع المنتهي إلى الطبيعة حاله حال الطبيعة في التوجّه إلى الكمال، لكنّ الذي ينبغي الإمعان فيه أنّ هذا التمايل و التوجّه لا يستوجب فعليّة الكمال و السعادة الحقيقيّة، لما ذكرنا من فعليّة الكمال الشهويّ و الغضبيّ في الإنسان و كون مبادئ السعادة الحقيقيّة فيه بالقوّة، و الشاهد عليه عين ما استشهد به في الاعتراض من كون الاجتماعات المدنيّة المنقرضة و الحاضرة متوجّهة إلى الكمال، و نيلِ بعضها إلى المدنيّة الفاضلة السعيدة، و قربِ البعض الآخر أو بعده، فإنّ الذي نجده عند هؤلاء من الكمال و السعادة هو الكمال الجسميّ، و ليس الكمال الجسميّ هو كمال الإنسان، فإنّ الإنسان ليس هو الجسم بل هو مركّب من جسم و روح، مؤلّف من جهتين مادّية و معنويّة، له حياة في البدن و حياة بعد مفارقته من غير فناء و زوال، يحتاج إلى كمال و سعادة تستند إليها في حياته الآخرة، فليس من الصحيح أن يَعُدَّ كمالَه الجسميَّ الموضوعَ على أساس الحياة الطبيعيّة كمالاً له و سعادة بالنسبة إليه، و حقيقتُه هذه الحقيقة.
- تفسير الميزان ج٢ ص ۱۱۱ فما بعد والبحوث المنتخبة تحت العناوين التالية:
۱ـ ضرورة النبوّة في تفسير الميزان (۱)
٢ـ ضرورة النبوّة في تفسير الميزان (٢)
٣ـ كيف بدأت حياة الإنسان الاجتماعيّة؟
٤ـ النزاع الاجتماعيّ الأوّل (كيف عالجه الله؟)
٥ـ سبع حقائق حول الدين والمجتمع
٦ـ هل أثّرت النبوّة في المجتمعات؟
- تفسير الميزان ج٢ ص ۱۱۱ فما بعد والبحوث المنتخبة تحت العناوين التالية:
