انقطع الاتصال بالخادم. جارٍ إعادة المحاولة...

يتعذّر إنشاء الاتصال.

تم رفض الاتصال من قبل الخادم.

يتم تشغيل هذا الملف الصوتي
جارٍ التحميل...
00:00:00
صورة

ضرورة النبوّة في تفسير الميزان (3)

قصّة نوح والشريعة الأولى

74
العقائد
الجلسات

كيف يضمن الإنسان كماله وسعادته مع ما تؤدّيه إليه فطرته من النزاع والاختلاف؟ وهل يكفي العقل العمليّ لضبط بوصلة المجتمع والحدّ من الاختلافات، أم أنه يدعو بطبعه إلى الانتفاع والاستغلال؟ وكيف يقتضي الكمال التكوينيّ والعناية الإلهيّة إنقاذ البشريّة من نزاعاتها؟ ألا يحتاج البشر إلى طريق يستند إلى التشريع الغيبيّ لرفع الخصومة ورسم منهج الاستقامة؟ يجيب العلاّمة الطباطبائي رضوان الله عليه عن ذلك لإثبات ضرورة النبوّة والحاجة إليها.

ضرورة النبوّة في تفسير الميزان (۳)

5
  • ـ وجهة أنّ الواقع في الخارج و المتحقّق بالفعل ما هو؟ 

  • و إنما نبحث في المقام من الجهة الأولى دون الثانية، و لا يضرّ بها أنّ هذه الطريقة لم تجر بين الناس إلى هذه الغاية إلا قليلاً. و ذلك كما أنّ العناية الإلهيّة تهدي أنواع النبات و الحيوان إلى كمال خلقها و غاية وجودها، و مع ذلك يسقط أكثر أفراد كلّ نوع دون الوصول إلى غايته النوعيّة، و يفسد و يموت قبل البلوغ إلى عمره الطبيعي.

  • و بالجملة فطريق النبوّة مما لا مناص منه في تربية النوع بالنظر إلى العناية الإلهيّة، و إلا لم تتمّ الحجة بمجرّد العقل، لأنّ له شغلاً غير الشغل، و هو دعوة الإنسان إلى ما فيه صلاح نفسه، و لو دعاه إلى شي‌ء من صلاح النوع فإنّما يدعوه إليه بما فيه صلاح نفسه، فافهم ذلك و أحسن التدبّر في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إلى نُوحٍ وَ اَلنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَ أَوْحَيْنَا إلى إِبْرَاهِيمَ وَ إِسْمَاعِيلَ وَ إِسْحَاقَ وَ يَعْقُوبَ وَ اَلْأَسْبَاطِ وَ عِيسى وَ أَيُّوبَ وَ يُونُسَ وَ هَارُونَ وَ سُلَيْمَانَ وَ آتَيْنَا دَاوُدَ زَبُوراً وَ رُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَ رُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَ كَلَّمَ اَللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اَللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ اَلرُّسُلِ وَ كَانَ اَللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً﴾۱.

  • فمن الواجب في العناية أن ينزل الله على المجتمع الإنسانيّ دينًا يدينون به و شريعة يأخذون بها في حياتهم الاجتماعيّة، دون أن يخصّ بها قومًا و يترك الآخرين سدى لا عناية بهم، و لازمه الضروريّ أن يكون أوّل شريعة نزلت عليهم شريعة عامّة.

  • و قد أخبر الله سبحانه عن هذه الشريعة بقوله عزّ من قائل: ﴿كَانَ اَلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اَللَّهُ اَلنَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ وَ أَنْزَلَ مَعَهُمُ اَلْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ اَلنَّاسِ فِيمَا اِخْتَلَفُوا فِيهِ﴾٢، فبيّن أنّ الناس كانوا أول ما نشؤوا و تكاثروا على فطرة ساذجة لا يظهر فيهم أثر الاختلافات و المنازعات الحيويّة، ثمّ ظهر فيهم الاختلافات؛ فبعث الله الأنبياء بشريعة و كتاب يحكم بينهم بالحقّ فيما اختلفوا فيه، و يحسم مادة الخصومة و النزاع.٣

    1. سورة النساء، الآية ١٦٥.
    2. سورة البقرة، الآية ٢١٣.
    3.  تفسير الميزان، ج۱۰، ص ٢٦۰ ـ ٢٦٣. وراجع تفصيل الكلام في هذه آية كان الناس أمّة واحدة... في: تفسير الميزان، ج‌٢، ص: ۱۱٢ فما بعد والبحوث المنتخبة تحت عناوين: 
      ۱ـ ضرورة النبوّة في تفسير الميزان (۱)
      ٢ـ ضرورة النبوّة في تفسير الميزان (٢)
      ٣ـ كيف بدأت حياة الإنسان الاجتماعيّة؟
      ٤ـ النزاع الاجتماعيّ الأوّل (كيف عالجه الله؟)
      ٥ـ سبع حقائق حول الدين والمجتمع
      ٦ـ هل أثّرت النبوّة في المجتمعات؟
      ملاحظة: هذه المقالة مقتبسة من كتاب "تفسير الميزان" للعلامة الطباطبائي (رضوان الله عليه). وقد قامت الهيئة العلمية في "مدرسة الوحي" بتحقيق النص ضمن حدود تصحيح الأخطاء الإملائية والنحوية، وإضافة العناوين أو تعديل الموجود منها (سواء من المصنّف أو المحققين) بهدف التوضيح. كما شمل العمل ترتيب الفقرات بحسب الأفكار، وإضافة هوامش توضيحية لبعض المفردات أو الأفكار الغامضة، مع الحفاظ التام على أصل المتن والإشارة الدقيقة إلى مصدره؛ وذلك لتسهيل الاستفادة من هذا السفر القيّم، واستخراج جواهره، وتسليط الضوء عليها.
/ 380