
ضرورة النبوّة في تفسير الميزان (3)
قصّة نوح والشريعة الأولى
كيف يضمن الإنسان كماله وسعادته مع ما تؤدّيه إليه فطرته من النزاع والاختلاف؟ وهل يكفي العقل العمليّ لضبط بوصلة المجتمع والحدّ من الاختلافات، أم أنه يدعو بطبعه إلى الانتفاع والاستغلال؟ وكيف يقتضي الكمال التكوينيّ والعناية الإلهيّة إنقاذ البشريّة من نزاعاتها؟ ألا يحتاج البشر إلى طريق يستند إلى التشريع الغيبيّ لرفع الخصومة ورسم منهج الاستقامة؟ يجيب العلاّمة الطباطبائي رضوان الله عليه عن ذلك لإثبات ضرورة النبوّة والحاجة إليها.
ضرورة النبوّة في تفسير الميزان (۳)
4النتيجة: ضرورة هداية الإنسان إلى كماله
و قد عُلِم أنّ من الواجب في عناية الله أن يهدي الإنسان إلى سعادة حياته و كمال وجوده على حدّ ما يهدي سائر الأنواع إليه، فكما هداه بواجب عنايته من طريق الخلقة و الفطرة إلى ما فيه خيره و سعادته، و هو الذي يبعثه إليه نظام الكون و الجهازات التي جهّز بها إلى أن يشعر بما فيه نفعه و يميّز خيره من شره وسعادته من شقائه كما قال تعالى: ﴿وَ نَفْسٍ وَ مَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَ تَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَ قَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾۱، يهديه بواجب عنايته إلى أصول و قوانين اعتقاديّة و عمليّة يتمّ له بتطبيق شئون حياته عليها كماله و سعادته، فإنّ العناية الإلهيّة بتكميل الأنواع بما يناسب نوع وجودها توجب هذا النوع من الهداية كما توجب الهداية التكوينيّة المحضة.
لماذا لا يكفي العقل لهداية الإنسان؟
و لا يكفي في ذلك ما جهّز به الإنسان من العقل ـ و هو هاهنا العمليّ منه ـ فإنّ العقل كما سمعت يبعث نحو الاستخدام و يدعو إلى الاختلاف، و من المحال أن يفعل شيء من القوى الفعاّلة فعلين متقابلين، ويفيدَ أثرين متناقضين، على أنّ المتخلّفين من هذه القوانين و المجرمين بأنواع الجرائم المفسدة للمجتمع كلّهم عقلاء ممتّعون بمتاع العقل مجهّزون به.
فظهر أنّ هناك طريقًا آخر لتعليم الإنسان شريعة الحقّ و منهج الكمال و السعادة غير طريق التفكّر والتعقّل و هو طريق الوحي، و هو نوع تكليم إلهيّ يعلم الإنسان ما يفوز بالعمل به و الاعتقاد له في حياته الدنيويّة و الأخرويّة.
شبهة حول ضرورة النبوّة: عصيان الناس للنبوّة كعصيانهم العقل وعدم تأثّرهم بالوحي
فإن قلت: الأمر سواء؛ فإنّ شرْعَ النبوة لم يأت بأزيد مما لو كان العقل لأتى به؛ فإنّ العالم الإنسانيّ لم يخضع لشرائع الأنبياء كما لم يصغ إلى نداء العقل، و لم يقدر الوحي أن يدير المجتمع الإنسانيّ و يُركبه صراط الحقّ فما هي الحاجة إليه؟!
قلت: لهذا البحث جهتان:
ـ جهة أنّ العناية الإلهيّة من واجبها أن تهدي المجتمع الإنسانيّ إلى تعاليم تسعده و تكمّله لو عمل بها وهي الهداية بالوحي و لا يكفي فيها العقل.
- سورة الشمس، الآية١٠.
