
ضرورة النبوّة في تفسير الميزان (2)
بحث فلسفيّ
هل النبوّة مجرد مسألة كلاميّة تبحث في جعل الأحكام والسنن الاعتباريّة، أم أنّها حقيقة فلسفيّة ترتبط بجوهر استكمال النفس الإنسانيّة ومصيرها الخارجيّ؟ وكيف تتحول العقائد والأعمال إلى صور تكوينيّة تحدّد درجات القرب والبعد، والسعادة والشقاء؟ وهل يستطيع العقل العمليّ الخروج بالنفس من القوة إلى الفعل دون تأييد إلهي، أم أنه يبدأ مقيّدًا بالإحساسات الشهويّة والغضبيّة؟ إليك بحث برهاني شامل حول نيل النفس كمالها العلويّ عبر الشريعة والوحي كما ورد في تفسير الميزان.
ضرورة النبوّة في تفسير الميزان (۲)
3و إذ كانت هذه الملكات و الصور حاصلة لها من طريق الأفعال الاختياريّة المنبعثة عن اعتقاد الصلاح و الفساد، و الخوف و الرجاء، و الرغبة إلى المنافع، و الرهبة من المضارّ، وجب أن تكون هذه الإفاضة أيضًا متعلّقه بالدعوة الدينيّة بالتبشير و الإنذار و التخويف و التطميع لتكون شفاء للمؤمنين فيكملوا به في سعادتهم، و خسارًا للظالمين فيكملوا به في شقاوتهم، و الدعوة تحتاج إلى داع يقدم بها وهو النبيّ المبعوث من عنده تعالى.
ألا يغني العقل عن النبوّة؟
فإن قلت: كفى في الدعوة ما يدعو إليه العقل من اتباع الإنسان للحقّ في الاعتقاد و العمل، وسلوكه طريق الفضيلة و التقوى، فأيّ حاجة إلى بعث الأنبياء؟
قلت: العقل الذي يدعو إلى ذلك و يأمر به هو العقل العمليّ الحاكم بالحسن و القبح، دون العقل النظريّ المدرك لحقائق الأشياء كما مرّ بيانه سابقًا۱، و العقل العمليّ يأخذ مقدّمات حكمه من الإحساسات الباطنة، و الإحساساتُ التي هي بالفعل في الإنسان في بادي حاله هي إحساسات القوى الشهويّة و الغضبيّة، و أمّا القوّة الناطقة القدسيّة فهي بالقوة، و قد مرّ أنّ هذا الإحساس الفطريّ يدعو إلى الاختلاف، فهذه التي بالفعل لا تدع الإنسان يخرج من القوة إلى الفعل كما هو مشهود من حال الإنسان، فكلّ قوم أو فرد فقد التربية الصالحة عاد عمّا قليل إلى التوحّش و البربريّة مع وجود العقل فيهم و حكم الفطرة عليهم، فلا غناء عن تأييد إلهيّ بنبوّة تؤيّد العقل.٢
- تفسير الميزان ج٢ ص ۱۱٤ تحت عنوان علومه العمليّة، والبحث المنتخب تحت عنوان: كيف بدأت حياة الإنسان الاجتماعيّة؟ فقرة: "https://madrasatalwahy.org/Document/Article/Details/۱۰٣۰٦/%D٩%۸٣%D٩%۸A%D٩%۸۱-%D۸%A۸%D۸%AF%D۸%A۷%D۸%AA-%D۸%AD%D٩%۸A%D۸%A۷%D۸%A٩-%D۸%A۷%D٩%۸٤%D۸%A۷%D٩%۸٦%D۸%B٣%D۸%A۷%D٩%۸٦-%D۸%A۷%D٩%۸٤%D۸%A۷%D۸%AC%D۸%AA%D٩%۸٥%D۸%A۷%D۸%B٩%D٩%۸A%D۸%A٩?page=٤"علومه الاعتباريّة العمليّة والفرق بينها وبين العلوم الحقيقيّة
- تفسير الميزان، ج٢، ص: ۱٤۷ ـ ۱٤٩.
ملاحظة: هذه المقالة مقتبسة من كتاب "تفسير الميزان" للعلامة الطباطبائي (رضوان الله عليه). وقد قامت الهيئة العلمية في "مدرسة الوحي" بتحقيق النص ضمن حدود تصحيح الأخطاء الإملائية والنحوية، وإضافة العناوين أو تعديل الموجود منها (سواء من المصنّف أو المحققين) بهدف التوضيح. كما شمل العمل ترتيب الفقرات بحسب الأفكار، وإضافة هوامش توضيحية لبعض المفردات أو الأفكار الغامضة، مع الحفاظ التام على أصل المتن والإشارة الدقيقة إلى مصدره؛ وذلك لتسهيل الاستفادة من هذا السفر القيّم، واستخراج جواهره، وتسليط الضوء عليها.
