
ضرورة النبوّة في تفسير الميزان (1)
تفسير آية كان الناس أمّة واحدة.
كيف استحال التناغم البشري الأوّل إلى صراع محتدم حول المزايا الحيويّة؟ ولماذا عجز العقل والعلم عن إطفاء جذوة الاختلاف؟ هل تحُول غريزة الاستخدام الفطريّة دون تحقيق العدالة بغير حكَم إلهيّ يزن القوى ويعيد التوازن؟ وكيف يغدو الدين السبب الوحيد لإنقاذ الفطرة من طغيانها الماديّ والمعنوي؟ ألا يقتضي نظام الإيجاد إمداد النوع الإنسانيّ بوحيٍ يُخرج الأمّة من ظلمات البغي إلى الصراط المستقيم؟ إليك تقرير برهانيّ شامل لضرورة النبوّة حسب تفسير الميزان
ضرورة النبوّة في تفسير الميزان (۱)
7نظرة في الروايات حول ما سبق
في التوحيد، عن هشام بن الحكم قال: سأل الزنديق الذي أتى أبا عبد الله فقال:من أين أثبت أنبياء ورسلاً؟
قال أبو عبد الله عليه السلام: «إنّا لما أثبتنا أنّ لنا خالقًا صانعًا متعاليًا عنّا و عن جميع ما خلق، و كان ذلك الصانع حكيمًا لم يجز أن يشاهده خلقه، و لا يلامسوه، و لا يباشرهم و لا يباشروه و يحاجّهم ويحاجّوه، فثبت أنّ له سفراء في خلقه يدلّونهم على مصالحهم و منافعهم و ما فيه بقاؤهم، و في تركه فناؤهم، فثبت الآمرون الناهون عن الحكيم العليم في خلقه، و ثبت عند ذلك أنّ له معبّرين و هم الأنبياء و صفوته من خلقه، حكماء مؤدّبون بالحكمة مبعوثين بها، غير مشاركين للناس في أحوالهم، على مشاركتهم لهم في الخلق و التركيب، مؤيّدين من عند الحكيم العليم بالحكمة و الدلائل والبراهين و الشواهد، من إحياء الموتى، و إبراء الأكمه و الأبرص فلا يخلو أرض الله من حجّة يكون معه علم يدلّ على صدق مقال الرسول و وجوب عدالته».
أقول: و الحديث كما ترى مشتمل على حجج ثلاث في مسائل ثلاث من النبوّة.
إحداها: الحجة على النبوّة العامّة. و بالتأمل فيما ذكره عليه السلام تجد أنّه منطبق على ما استفدنا من قوله تعالى: ﴿كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً ﴾ (الآية).
و ثانيتها: الحجّة على لزوم تأييد النبيّ بالمعجزة، و ما ذكره عليه السلام منطبق على ما ذكرناه في البحث عن الإعجاز۱ في بيان قوله تعالى: ﴿وَ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾٢
وثالثتها: مسألة عدم خلوّ الأرض عن الحجة و سيأتي بيانه إن شاء الله.٣
- تفسير الميزان ج۱، ص ٥۸.
- سورة البقرة، الآية ٢٣.
- تفسير الميزان، ج٢، ص ۱٤٣ـ ۱٤٤. وقد نقل العلاّمة الطباطبائي رواية حول عدم خلوّ الأرض من حجّة في تفسير الميزان ج۱٤ ص ٥٣.
ملاحظة: هذه المقالة مقتبسة من كتاب "تفسير الميزان" للعلامة الطباطبائي (رضوان الله عليه). وقد قامت الهيئة العلمية في "مدرسة الوحي" بتحقيق النص ضمن حدود تصحيح الأخطاء الإملائية والنحوية، وإضافة العناوين أو تعديل الموجود منها (سواء من المصنّف أو المحققين) بهدف التوضيح. كما شمل العمل ترتيب الفقرات بحسب الأفكار، وإضافة هوامش توضيحية لبعض المفردات أو الأفكار الغامضة، مع الحفاظ التام على أصل المتن والإشارة الدقيقة إلى مصدره؛ وذلك لتسهيل الاستفادة من هذا السفر القيّم، واستخراج جواهره، وتسليط الضوء عليها.
