
ضرورة النبوّة في تفسير الميزان (1)
تفسير آية كان الناس أمّة واحدة.
كيف استحال التناغم البشري الأوّل إلى صراع محتدم حول المزايا الحيويّة؟ ولماذا عجز العقل والعلم عن إطفاء جذوة الاختلاف؟ هل تحُول غريزة الاستخدام الفطريّة دون تحقيق العدالة بغير حكَم إلهيّ يزن القوى ويعيد التوازن؟ وكيف يغدو الدين السبب الوحيد لإنقاذ الفطرة من طغيانها الماديّ والمعنوي؟ ألا يقتضي نظام الإيجاد إمداد النوع الإنسانيّ بوحيٍ يُخرج الأمّة من ظلمات البغي إلى الصراط المستقيم؟ إليك تقرير برهانيّ شامل لضرورة النبوّة حسب تفسير الميزان
ضرورة النبوّة في تفسير الميزان (۱)
6كون مقدّمات البرهان قرآنيّة وتجريبيّة
و هذه الحجّة مؤلّفة من مقدّمات مصرّح بها في كتاب الله تعالى كما عرفت فيما تقدّم، و كلّ واحدة من هذه المقدّمات تجربيّة، بيّنتها التجربة للإنسان في تاريخ حياته و اجتماعاته المتنوّعة التي ظهرت وانقرضت في طيّ القرون المتراكمة الماضية، إلى أقدم أعصار الحياة الإنسانيّة التي يذكرها التاريخ.
فلا الإنسان انصرف في حين من أحيان حياته عن حكم الاستخدام، و لا استخدامه لم يؤدّ إلى الاجتماع و قضى بحياة فرديّة، و لا اجتماعه المكوّن خلا عن الاختلاف، و لا الاختلاف ارتفع بغير قوانين اجتماعيّة، و لا أنّ فطرته و عقله الذي يعدّه عقلاً سليمًا [قدرا] على وضع قوانين تقطع منابت الاختلاف و تقلع مادّة الفساد، و ناهيك في ذلك: ما تشاهده من جريان الحوادث الاجتماعيّة، و ما هو نصب عينيك من انحطاط الأخلاق و فساد عالم الإنسانيّة، و الحروب المهلكة للحرث والنسل، و المقاتل المبيدة للملايين بعد الملايين من الناس، و سلطان التحكّم و نفوذ الاستعباد في نفوس البشر وأعراضهم و أموالهم في هذا القرن الذي يسمّى عصر المدنيّة و الرقيّ و الثقافة و العلم، فما ظنّك بالقرون الخالية، أعصار الجهل و الظلمة؟!
و أما أنّ الصنع و الإيجاد يسوق كلّ موجود إلى كماله اللائق به فأمر جار في كلّ موجود بحسب التجربة و البحث۱، و كذا كون الخلقة و التكوين إذا اقتضى أثرًا لم يقتض خلافه بعينه أمر مسلم تثبته التجربة والبحث، و أمّا أنّ التعليم و التربية الدينيّين الصادرين من مصدر النبوّة و الوحي يقدران على دفع هذا الاختلاف و الفساد فأمر يصدّقه البحث و التجربة معًا:
الدليلان النظري والتجريبي على رفع الدين للاختلاف والفساد
أما البحث: فلأنّ الدين يدعو إلى حقائق المعارف و فواضل الأخلاق و محاسن الأفعال فصلاح العالم الإنسانيّ مفروض فيه.
وأما التجربة: فالإسلام أثبت ذلك في اليسير من الزمان الذي كان الحاكم فيه على الاجتماع بين المسلمين هو الدّين، وأثبت ذلك بتربية أفراد من الإنسان صلحت نفوسهم، و أصلحوا نفوس غيرهم من الناس، على أنّ جهات الكمال و العروق النابضة في هيكل الاجتماع المدنيّ اليوم التي تضمن حياة الحضارة و الرقيّ مرهونة [للتقدّم] الإسلامي و سريانه في العالم الدنيويّ على ما يعطيه التجزية والتحليل من غير شكّ، وسنستوفي البحث عنه إن شاء الله في محل آخر٢ أليق به.٣
- فمثلاً إذا لاحظنا الطفل عند ولادته نجد أنّه لا يمتلك أسنانًا وأنّ جهازه الهضميّ لا يحتمل الطعام الذي يحتمله الكبار، ولكن الله هيّأ له لتحقيق نموّه وكماله اللبن السائغ في ثدي أمّه وهداه إلى امتصاصه، وهكذا سائر المخلوقات التي تحتاج إلى الماء والغذاء فإنّ الله قد هيًّأ لها ذلك. (م)
- راجع تفسير الميزان ج٢ ص: ۱٥۱ ، وج ٤ ص ۱۰۰ والبحث المنتخب في موقع مدرسة الوحي تحت عنوان هل أثّرت النبوّة في المجتمعات؟ وبحث هل يقبل الدين التطبيق في المجتمع؟ (۱).
- تفسير الميزان ج٢ ص ۱٣۱ ـ ۱٣٢
