
ضرورة النبوّة في تفسير الميزان (1)
تفسير آية كان الناس أمّة واحدة.
كيف استحال التناغم البشري الأوّل إلى صراع محتدم حول المزايا الحيويّة؟ ولماذا عجز العقل والعلم عن إطفاء جذوة الاختلاف؟ هل تحُول غريزة الاستخدام الفطريّة دون تحقيق العدالة بغير حكَم إلهيّ يزن القوى ويعيد التوازن؟ وكيف يغدو الدين السبب الوحيد لإنقاذ الفطرة من طغيانها الماديّ والمعنوي؟ ألا يقتضي نظام الإيجاد إمداد النوع الإنسانيّ بوحيٍ يُخرج الأمّة من ظلمات البغي إلى الصراط المستقيم؟ إليك تقرير برهانيّ شامل لضرورة النبوّة حسب تفسير الميزان
ضرورة النبوّة في تفسير الميزان (۱)
4غير أنّ الإنسان لوجود قريحة الاستخدام فيه كما أشرنا إليه۱ فيما مرّ لا يحبسه هذا الاجتماع القهريّ ـ من حيث التعاون على رفع البعض حوائج البعض ـ عن الاختلاف و التغالب و التغلّب، و هو كلّ يوم يزداد علمًا و قوّة على طرق الاستفادة، و يتنبّه بمزايا جديدة، و يتيقّظ لطرق دقيقة في الانتفاع، وفيهم الأقوياء و أولوا السطوة و أرباب القدرة، و فيهم الضعفاء و من في رتبتهم، و هو منشأ ظهور الاختلاف، الاختلاف الفطريّ الذي دعت إليه قريحة الاستخدام، كما دعت هذه القريحة بعينها إلى الاجتماع و المدنيّة.
و لا ضير في تزاحم حكمين فطريّين، إذا كان فوقهما ثالث يحكم بينهما، و يعدّل أمرهما، و يصلح شأنهما، و ذلك كالإنسان تتسابق قواه في أفعالها، و يؤدّي ذلك إلى التزاحم، كما أنّ جاذبة التغذّي تقضي بأكل ما لا تطيق هضمه الهاضمة و لا تسعه المعدة، و هناك عقل يعدل بينهما، و يقضي لكل بما يناسبه، و يقدّر فعل كل واحدة من هذه القوى الفعّالة بما لا يزاحم الأخرى في فعلها.
و التنافي بين حكمين فطريّين فيما نحن فيه من هذا القبيل، فسلوك فطرة الإنسان إلى المدنيّة ثم سلوكها إلى الاختلاف يؤدّيان إلى التنافي، و لكنّ الله يرفع التنافي برفع الاختلاف الموجود ببعث الأنبياء بالتبشير و الإنذار، و إنزال الكتاب الحاكم بين الناس فيما اختلفوا فيه.٢
السبب في بعثة الأنبياء
و قد تبيّن من الآية... السبب في بعث الأنبياء و إنزال الكتب، و بعبارة أخرى العلة في الدعوة الدينيّة، وهو أنّ الإنسان بحسب طبعه و فطرته سائرٌ نحو الاختلاف، كما أنّه سالك نحو الاجتماع المدني. و إذا كانت الفطرة هي الهادية إلى الاختلاف لم تتمكّن من رفع الاختلاف، و كيف يدفع شيء ما تجذبه إليه نفسه؟! فرفع الله سبحانه هذا الاختلاف بالنبوّة و التشريع بهداية النوع إلى كماله اللائق بحالهم المصلح لشأنهم، و هذا الكمال كمال حقيقيّ داخل في الصنع و الإيجاد فما هو مقدّمته كذلك، و قد قال تعالى: ﴿الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾٣، فبيّن أنّ من شأنه و أمره تعالى أن يهدي كلّ شيء إلى ما يتمّ به خلقه، و من تمام خلقة الإنسان أن يهتدي إلى كمال وجوده في الدنيا و الآخرة، و قد قال تعالى أيضًا: ﴿كُلاًّ نُمِدُّ هؤُلاءِ وَ هَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ وَ ما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً﴾٤، و هذه الآية تفيد أنّ شأنه تعالى هو الإمداد بالعطاء: يمدّ كلّ من يحتاج إلى إمداده في طريق حياته و وجوده، و يعطيه ما يستحقّه، و أنّ عطاءه غير محظور و لا ممنوع من قبله تعالى إلا أن يمتنع ممتنع بسوء حظّ نفسه، من قبل نفسه لا من قبله تعالى.
- من مدركات الإنسان ومعلوماته الاعتباريّة العمليّة وجوب الاستخدام بمعنى الاستفادة من كلّ ما حوله بما فيه الإنسان الآخر. وتقدّم تفصيل ذلك في: تفسير الميزان ج٢ ص ۱۱٣ ـ ۱۱۷ والبحث المنتخب تحت عنوان: كيف بدأت حياة الإنسان الاجتماعيّة؟ فقرة: من العلوم الاعتباريّة مبدأ وجوب الانتفاع والاستخدام.
- تفسير الميزان، ج٢، ص: ۱٢٣ ـ ۱٢٦
- سورة طه، الآية ٥۰.
- سورة الإسراء، الآية ٢۰.
