
مفهوم النبوّة في تفسير الميزان (1)
الفرق بين النبيّ والرسول
ما الفرق الدقيق بين من يحمل النبأ ومن يحمل الرسالة في منطق القرآن؟ هل صحيح أن بعض الأنبياء لم يؤمروا بالتبليغ؟ من هم سادة قافلة البشريّة وأولو العزم، وما هو سرّ ميثاقهم الغليظ؟ وكيف تفصّل النصوص الروائيّة حقيقة الرؤيا ومعاينة الملك؟ تتبع هذه المقالة ـ المأخوذة من كلام العلاّمة الطباطبائي رضوان الله عليه في تفسير الميزان ـ أسرار النبوّة والرسالة وعدد الأنبياء المذكورين والمستخفين.
مفهوم النبوّة في تفسير الميزان (۱)
2بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد للّه ربّ العالمين
وصلّى الله على سيّدنا ونبيّنا محمّد وعلى آله الطيّبين الطاهرين
ولعنة الله على أعدائهم أجميعن إلى قيام يوم الدين
مفهوم النبوة والفرق بينها وبين الرسالة
تعبير الله عن المرشدين بالوحي بتعبيري النبيّ والرسول
الله سبحانه بعد ما ذكر هذه الحقيقة ـ وهي وصف إرشاد الناس بالوحي ـ في كلامه كثيرًا عبّر عن رجالها بتعبيرين مختلفين فيه تقسيمهم إلى قسمين أو كالتقسيم و هما: الرسول و النبيّ.
قال تعالى: ﴿وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَ الشُّهَداءِ﴾۱.
و قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ما ذا أُجِبْتُمْ﴾٢.
الفرق بين النبيّ والرسول
ومعنى الرسول حامل الرسالة، و معنى النبيّ حامل النبإ. فللرسول شرف الوساطة بين الله سبحانه وبين خلقه و للنبيّ شرف العلم بالله و بما عنده.
هل صحيح أنّ النبيّ قد لا يؤمر بالتبليغ؟
و قد قيل: إنّ الفرق بين النبيّ و الرسول بالعموم و الخصوص المطلق فالرسول هو الذي يُبعث فيؤمر بالتبليغ و يحمل الرسالة، و النبيّ هو الذي يُبعث سواء أُمر بالتبليغ أم لم يؤمر.
لكنّ هذا الفرق لا يؤيّده كلامه تعالى كقوله تعالى: ﴿وَ اذْكُرْ فِي الْكِتابِ مُوسى إِنَّهُ كانَ مُخْلَصًا وَ كانَ رَسُولاً نَبِيًّا﴾ ٣و الآية في مقام المدح و التعظيم و لا يناسب هذا المقام التدرّج من الخاصّ إلى العامّ كما لا يخفى.
و كذا قوله تعالى: ﴿وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَ لا نَبِيٍّ﴾٤، حيث جمع في الكلام بين الرسول والنبي ثمّ جعل كلاًّ منهما مرسلاً.
لكنّ قوله تعالى: ﴿وَ وُضِعَ الْكِتابُ وَ جِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَ الشُّهَداءِ﴾٥، وكذا قوله تعالى: ﴿وَ لكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَ خاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾٦، و كذا ما في الآية المبحوث عنها من قوله تعالى: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ﴾ إلى غير ذلك من الآيات يعطي ظاهرها أنّ كلّ مبعوث من الله بالإرسال إلى الناس نبيّ و لا ينافي ذلك ما مرّ من قوله تعالى: ﴿وَ كانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾ (الآية)، فإنّ اللفظين قصد بهما معناهما من غير أن يصيرا اسمين مهجوري المعنى۷، فالمعنى و كان رسولاً خبيرًا بآيات الله و معارفه، و كذا قوله تعالى: ﴿وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَ لا نَبِيٍّ﴾ الآية لإمكان أن يقال: إنّ النبيّ و الرسول كليهما مرسلان إلى الناس، غير أنّ النبيّ بعث لينبىء الناس بما عنده من نبإ الغيب لكونه خبيرًا بما عند الله، و الرسول هو المرسل برسالة خاصّة زائدة على أصل نبإ النبوّة كما يشعر به أمثال قوله تعالى: ﴿وَ لِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذا جاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾۸، و قوله تعالى: ﴿وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾٩.
- سورة الزمر، الآية ٦٩.
- سورة المائدة، الآية ۱۰٩.
- سورة مريم، الآية ٥۱.
- سورة الحج، الآية ٥۱.
- سورة الزمر، الآية ٦٩.
- سورة الأحزاب، الآية ٤۰.
- أي يراد بهما معناهما اللغويّ بما هما وصفان لا معناهما الاصطلاحيّ بما هما شبيهان باسم العلَم الفاقد لمعناه. (م)
- سورة يونس، الآية ٤۷.
- سورة الإسراء، الآية ۱٥.
