
الإمام الرضا (ع) غوث الأمّة
مفهوم المعجزة والولاية عند السيّد الحدّاد
هل تعلم أنّ الإمام الرضا عليه السلام يلقّب بـ «غوث هذه الأمة وغياثها» ومن الذي لقّبه بذلك؟ وهل يعني ذلك أن نتوقّع منه أن يغيثنا بکراماته ومعجزاته؟ أم أنّ لمفهوم المعجزة عند أولياء الله معنى أوسع؟ تطرح هذه المقالة جواب سماحة السيّد هاشم الحدّاد على أحد الأسئلة التي طرحت عليه أثناء زيارته للإمام الرضا عليه السلام من خلال تقرير وبيان العلّامة الطهراني في الروح المجرّد.
الإمام الرضا (ع) غوث الأمّة
3فَقَالَ لِي: نَعَمْ هَؤُلَاءِ وُلْدِي، وهَذَا سَيِّدُهُمْ -وأشَارَ إلى ابْنِهِ مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ- وفِيهِ الحِلْمُ، وعِلْمُ الحُكْمِ۱، والفَهْمُ، والسَّخَاءُ، والمَعْرِفَةُ بِمَا٢ يَحْتَاجُ النَّاسُ إلَيْهِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ أمْرِ دِينِهِمْ، وفِيهِ حُسْنُ الخُلُقِ وحُسْنُ الجوَارِ٣، وهُوبَابٌ مِنْ أبْوَابِ اللهِ تعالى عَزَّ وجَلَّ، وفِيهِ أخْرَى هي خَيْرٌ مِنْ هَذَا كُلِّهِ.
فَقَالَ لَهُ أبي: ومَا هي، بِأبِي أنْتَ وأمّي؟
قَالَ: يُخْرِجُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ مِنْهُ غَوْثَ٤ هَذِهِ الأمَّةِ وغِيَاثَهَا وعِلْمَهَا ونُورَهَا وفَهْمَهَا وحُكْمَهَا٥، خَيْرُ مَوْلُودٍ وخَيْرُ نَاشِئٍ، يَحقِنُ اللهُ بِهِ الدِّمَاءَ، ويُصْلِحُ بِهِ ذَاتَ البَيْنِ ويَلُمُّ بِهِ الشَّعَثَ٦، ويَشْعَبُ بِهِ الصَّدْعَ۷، ويَكْسُو بِهِ العَارِي، ويُشْبِعُ بِهِ الجَائِعَ، ويُؤْمِنُ بِهِ الخَائِفَ، ويُنْزِلُ بِهِ القَطْرَ، ويَأتَمِرُ بِهِ العِبَادُ۸، خَيْرُ كَهْلٍ وخَيْرُ نَاشِئٍ، يُبَشِّرُ بِهِ عَشِيرَتَهُ قَبْلَ أوَانِ حُلُمِهِ،٩ قَوْلُهُ حُكْمٌ، وصَمْتُهُ عِلْمٌ، يُبَيِّنُ لِلنَّاسِ مَا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ.
قَالَ: فَقَالَ أبي: بِأبِي أنْتَ وأمّي! فَيَكُونُ لَهُ وَلَدٌ بَعْدَهُ؟!
فَقَالَ: نَعَمْ. ثُمَّ قَطَعَ الكَلَامَ.
قَالَ يَزِيدُ: ثُمَّ لَقِيتُ أبَا الحَسَنِ -يَعْنِي مُوسَى بْنَ جَعْفَرٍ عَلَيهِمَا السَّلَامُ- بَعْدُ، فَقُلْتُ: بِأبِي أنْتَ وأمّي! إنِّي أرِيدُ أنْ تُخْبِرَنِي بِمِثْلِ مَا أخْبَرَنِي بِهِ أبُوكَ!
قَالَ: فَقَالَ: كَانَ أبي عَلَيْهِ السَّلَامُ في زَمَنٍ۱۰ لَيْسَ هَذَا مِثْلَهُ.
قَالَ يَزِيدُ: فَقُلْتُ: مَنْ يَرْضَى مِنْكَ بِهَذَا فَعَلَيهِ لَعْنَةُ اللهِ!
قَالَ: فَضَحِكَ، ثُمَّ قَالَ: أخْبِرُكَ يَا أبَا عِمَارَةَ: إنِّي خَرَجْتُ مِنْ مَنْزِلِي، فَأوْصَيْتُ في الظَّاهِرِ إلى بَنِيّ فَأشْرَكْتُهُمْ مَعَ ابْنِي عَلِيّ؛ وأفْرَدْتُهُ بِوَصِيَّتِي في البَاطِنِ؛ ولَقَدْ رَأيْتُ رَسُولَ اللهِ في المَنَامِ وأمِيرَ المُؤْمِنِينَ عَلَيهِ السَّلَامُ مَعَهُ ومَعَهُ خَاتَمٌ وسَيْفٌ وعَصَى۱۱ وكِتَابٌ وعِمَامَةٌ.
فَقُلْتُ لَهُ: مَا هَذَا؟
فَقَالَ: أمَّا العِمَامَةُ فَسُلْطَانُ اللهِ تعالى، وأمَّا السَّيْفُ فَعِزَّةُ اللهِ، وأمَّا الكِتَابُ فَنُورُ اللهِ، وأمَّا العَصَا فَقُوَّةُ اللهِ، وأمَّا الخَاتَمُ فَجَامِعُ هَذِهِ الأمُورِ.
ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ صلّى اللهُ عَلَيهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: والأمْرُ يَخْرُجُ إلى عَلِيّ ابْنِكَ.
قَالَ: ثُمَّ قَالَ: يَا يَزِيدُ! إنَّهَا وَدِيعَةٌ عِنْدَكَ؛ فَلَا تُخْبِرْ بِهَا إلَّا عَاقِلاً، أوْ عَبْدًا امْتَحَنَ اللهُ قَلْبَهُ لِلإيمَانِ، أوْ صَادِقًا. ولَا تَكْفُرْ نِعَمَ اللهِ تعالى، وإنْ سُئِلْتَ عَنِ الشَّهَادَةِ فَأدِّهَا؛ فَإنَّ اللهَ تعالى يَقُولُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها﴾۱٢، وقَالَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ومَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ﴾.۱٣
- قال المجلسيّ في «مرآة العقول»: المراد بالحكم: الحكمة و فصل الخصام.
- ممّا - خ ل.
- ورد في نسخة «الكافي»: «حسن الجواب» بدل «حسن الجوار»؛ أي أنّه عليه السلام يدّل كلّ سائل إلي حقيقة مطلبه.
- الغوث، إعانة المضطرّ؛ و الغياث: بمعني الشي ء الذي ينحصر به رفع الحاجة. أي أنّ الإمام الرضا عليه السلام هو العماد و الأساس الوحيد لمساعدة المضطرّين من هذه الامّة و إعانتهم، و ملجؤهم الوحيد، سواء كانوا من الشيعة أم من غيرهم.
- يعني حكمته و فصله للخصام و حكمه القاطع أمام الآراء و الأفكار.
- الشَّعَثُ: الأمْرُ، وَ لَمَّ اللهُ بِهِ شَعَثَهُمْ: جَمَعَ بِهِ أمْرَهُمْ.
- شَعَبَ شَعْبًا الشَّي ءَ: جَمَعَهُ، وَ الشَّعْبُ: الجَمْعُ. و الصَّدْع: التَّفَرُّقُ. و معنى وَ يَشْعَبُ بِهِ الصَّدْعَ، أي يلمّ به التفرّق و يجمعه.
- يَأتَمِرُ بِهِ العِبَادُ أي يتشاوَرَ العِبادُ به.
- ورد في نسخة «الكافي»: يَسُودُ عَشِيرَتَهُ، أي أنّه كان عليه السلام على قدر من الهيبة و المتانة و الرزانة و الدراية بحيث كان له التفوّق و السيادة قبل بلوغه على جميع أفراد عشيرته من أعمامه و بني عمومته.
و ورد هنا في نسخة «الكافي»: فَقَالَ لَهُ أبي: بِأبِي أنْتَ وَ امِّي! وَ هَلْ وُلِدَ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَ مَرَّتْ بِهِ سِنُونَ.
و قد أشكل على ذلك المرحوم المجلسيّ في شرحه لهذه العبارة في «مرآة العقول» ج ٣، ص ٣٥۰، الطبعة الحروفيّة، المطبعة الحيدريّة، الطبعة الثانية، سنة ۱٣٩٤ هـ. ق؛ لأنّ ولادة الرضا عليه السلام كانت في سنة وفاة الصادق عليه السلام. (الولادة ۱۱ ذي القعدة ۱٤۸ هـ. ق، و وفاة الصادق ٢٥ شوّال ۱٤۸ هـ. ق) و عليه فإمّا يجب أن يقال «فقال له» بدون لفظ «أبي» كما ورد في بعض النسخ، و في هذه الحال فإنّ السائل ليس بسليط، بل السائل يزيد أو من روى عن يزيد، و المسئول هو أبو إبراهيم عليه السلام و ليس الصادق عليه السلام. و إمّا في النسخ التي ورد فيها لفظ «أبي» فإنّ هذا التوجيه لا يصحّ و ينبغي أن نقول إنّ السائل كان سليطًا و المسئول أبا إبراهيم و لكن ذلك بعد سنوات من هذا اللقاء. و أمّا الرواية الواردة في «العيون» فقد وردت بلفظ فَقَالَ أبي: بِأبِي أنْتَ وَ امِّي! فَيَكُونُ لَهُ وَلَدٌ بَعْدَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، ثُمَّ قَطَعَ الكَلامَ. فلا حاجة للتكلّف في تأويل العبارة. - زمان - خ ل.
- حسب قواعد الكتابة، حين تقع الواو ثالثةً و تُقلب ألفًا، فإنّها يجب أن تُكتب ألفًا لا ياءً و لأن «عصو» من باب الناقص الواوي، فإنّها يجب أن تكتب «عصًا».
- صدر الآية ٥۸، من السورة ٤: النساء.
- الآية ۱٤۰، من السورة ٢: البقرة.
