
ثلاث خرافات في الحضارة المعاصرة
التقليد واتّباع الخرافة
ثلاث خرافات في الحضارة المعاصرة
6أليس معنى بل أحياء ولكن لا تشعرون هو بقاء الذكر؟
[وأمّا]۱ قوله تعالى: ﴿وَ لاَ تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اَللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَ لَكِنْ لاَتَشْعُرُونَ﴾ (الآية)٢، ربّما يقال: إنّ الخطاب مع المؤمنين الذين آمنوا بالله و رسوله و اليوم الآخر و أذعنوا بالحياة الآخرة، و لا يتصوّر منهم القول ببطلان الإنسان بالموت، بعد ما أجابوا دعوة الحقّ و سمعوا شيئًا كثيرًا من الآيات الناطقة بالمعاد، مضافًا إلى أنّ الآية إنّما تثبت الحياة بعد الموت في جماعة مخصوصين، و هم الشهداء المقتولون في سبيل الله، في مقابل غيرهم من المؤمنين، و جميع الكفّار، مع أنّ حكم الحياة بعد الموت عامّ شامل للجميع فالمراد بالحياة بقاء الاسم، و الذكر الجميل على مرّ الدهور، و بذلك فسّره جمع من المفسرين.
و يردّه أوّلاً: أنّ كون هذه حياة إنّما هو في الوهم فقط دون الخارج، فهي حياة تخيّلية ليس لها في الحقيقة إلا الاسم، و مثل هذا الموضوع الوهميّ لا يليق بكلامه، و هو تعالى يدعو إلى الحقّ و يقول: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ اَلْحَقِّ إِلاَّ اَلضَّلاَلُ﴾٣ ، و أما الذي سأله إبراهيم في قوله: ﴿وَ اِجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي اَلْآخِرِينَ﴾ ٤فإنما يريد به بقاء دعوته الحقة، و لسانه الصادق بعده، لا حسن ثنائه و جميل ذكره بعده فحسب.
نعم هذا القول الباطل، و الوهم الكاذب إنما يليق بحال الماديين، و أصحاب الطبيعة، فإنهم اعتقدوا: مادية النفوس و بطلانها بالموت و نفوا الحياة الآخرة، ثمّ أحسوا باحتياج الإنسان بالفطرة إلى القول ببقاء النفوس و تأثّرها بالسعادة و الشقاء، بعد موتها في معالي أمور، لا تخلو في الارتقاء إليها من التفدية والتضحية، لا سيّما في عظائم العزائم التي يموت و يقتل فيها أقوام ليحيا و يعيش آخرون، و لو كان كلّ من مات فقد فات لم يكن داع للإنسان ـ و خاصّة إذا اعتقد بالموت و الفوت ـ أن يُبطل ذاته ليبقيَ ذات آخرين، و لا باعث له أن يحرم على نفسه لذة الاستمتاع من جميع ما يقدر عليه بالجور ليتمتّع آخرون بالعدل، فالعاقل لا يعطي شيئًا إلا و يأخذ بدله، و أما الإعطاء من غير بدل، و الترك من غير أخذ، كالموت في سبيل حياة الغير، و الحرمان في طريق تمتّع الغير فالفطرة الإنسانيّة تأباه، فلمّا استشعروا بذلك دعاهم جبر هذا النقص إلى وضع هذه الأوهام الكاذبة، التي ليس لها موطن إلا عرصة الخيال و حظيرة الوهم، قالوا إنّ الإنسان الحرّ من رقّ الأوهام و الخرافات يجب عليه أن يفدي بنفسه وطنه، أو كلّ ما فيه شرفه، لينال الحياة الدائمة بحسن الذكر و جميل الثناء، و يجب عليه أن يحرم على نفسه بعض تمتّعاته في الاجتماع ليناله الآخرون، ليستقيم أمر الاجتماع و الحضارة، و يتمّ العدل الاجتماعيّ فينال بذلك حياة الشرف و العلاء.
- أضيفت هذه الكلمة لربط الكلام بما قبله وليست من الأصل. (م)
- سورة البقرة، الآية ۱٥٤.
- سورة يونس، الآية ٣٢.
- سورة الشعراء، الآية ٨٤.
