
أصالة المجتمع أم أصالة الفرد أم أصالة الحق؟
آراء الأكثريّة في الميزان
كيف يتشكل المجتمع البشري بين الفطرة الإنسانية وسلطة الإجماع؟ وإلى أي حدٍّ يجب على الفرد الانقياد للقوانين والأعراف السائدة؟ وحين تتصادم ديمقراطية الغالبية مع استقلالية الذات، لمن تكون الأصالة: للفرد أم للمجتمع؟ تُفكك هذه المقالة المقتبسة من كتاب الإجماع لآية الله الطهراني إشكاليّة الأصالتين، لتكشف عن الرؤية القرآنيّة البديلة والمحوريّة الكامنة في أصالة الحق كمعيارٍ أوحد للتشريع، متجاوزةً عادات الجاهليّة والتقليد الأعمى.
أصالة المجتمع أم أصالة الفرد أم أصالة الحق؟
8ففي هذه الآية يذمّ الله تعالى ويُبطل طاعة الناس العمياء وغير المبرّرة لعادات وتقاليد آبائهم وأسلافهم كما هو مقتضى الآية الأخرى: ﴿أَصَلَوٰتُكَ تَأمُرُكَ أَن نترُكَ مَا يَعبُدُ ءَابَاؤُنَا﴾۱.
وعلى هذا الأساس يأمر سبحانه وتعالى رسوله وسائر المؤمنين بأن يكونوا على حذر من اتباع العادات والتقاليد الجاهليّة التي عليها العوامّ وذلك بمقتضى الآية الشريفة: ﴿وَإِن تُطِع أَكثَرَ مَن فِي ٱلأَرضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾٢ أو الآية الشريفة: ﴿وَلَئِنِ ٱتَّبَعتَ أَهوَآءَهُم بَعدَ ٱلَّذِي جَآءَكَ مِنَ ٱلعِلمِ مَا لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن وَلِيّ وَلَا نَصِيرٍ﴾.٣
سرّ تحذير الله من الانقياد للعرف الجاهليّ: اغترار العقول باتّفاق الأكثر
أمّا السرّ الذي يكمن وراء هذه المسألة وتأكيد الله تعالى على الحذر من الانقياد للعرف الجاهليّ السائد في المجتمع فيتجلّى في أنّ العقول البشرية الضعيفة ونظرًا لعجزها عن تشخيص المصلحة العامّة وإدراك القضايا الحقيقيّة، وذلك بسبب التعلّق بالكثرات والانغماس في الأهواء الدنيّة والظواهر الدنيويّة الجذّابة؛ فإنّها ترى بأنّ الملاك في صحّة مسألة ما وإتقانها يكمن في اتفاق الأكثر واشتراك أغلبيّة أفراد المجتمع في وجهات النظر حولها. وكلّما ازداد عدد المتّفقين ازداد إتقان المسألة المذكورة وإحكامها عند العوامّ؛ إلى أن يصل الأمر بحيث يصبح الملاك والمناط في الأحكام والقوانين دائرًا مدار رأي الأكثريّة في المجتمع فقط، وتنتفي أيّة مخالفة لهذا الأصل ولو على مستوى التفكير، ناهيك عن الظاهر والعمل بحيث يتمّ اعتبار الخروج عن العادات والتقاليد الاجتماعية ومعارضتها كأنّه جريمة لا تُغتفر. وفي هذه الحالة ومع هذا الأسلوب في التفكير والخضوع للانفعالات النفسيّة ستُسلب من الفرد القدرة على التفكير والاختيار وانتخاب الأحسن والأصلح وسيجد نفسه ـ شاء أم أبى ـ أسيرًا لآراء الأسلاف ونظريّاتهم ومقلّدًا لهم فيها، وسيخال بأنّه من المحرّم عليه التجرّؤ على مخالفتهم. وهكذا ستسري هذه العمليّة المستهجنة من جيل إلى جيل، ومن قرن إلى قرن من دون أن نعثر لها على أيّ أصل أو منشأ معقول.
وقد عدّ الله تعالى في هذه الآيات تكاملَ الإنسان وبلوغه إلى مقام الفعليّة في الحياة كأعلى وأرقى أصل وهدف من الخلق، كما اعتبر سبحانه وتعالى أنّ الوصول إلى هذا المقصد الأعلى والغاية القُصوى منحصرٌ في اتباع الأوامر والقوانين الإلهيّة، بحيث يكون أيّ تنازل وتراجع عن هذا الأصل الحيويّ والسنّة الآبية عن التغيّر والتبديل مساويًا للبوار والهلاك وانعدام الحياة والخسارة الفادحة؛ ويُشكّل هذا الأمر سرّ الحياة وأصل التكامل الذي تتمحور حوله جميع الأحكام الإسلاميّة المتعالية.٤
- سورة هود (۱۱)، قسم من الآية ۸۷.
- سورة الأنعام (٦)، صدر الآية ۱۱٦.
- سورة البقرة (٢)، ذيل الآية ۱٢۰.
- اجماع از منظر نقد ونظر (فارسي) ص ۱٥ ـ ٢٦ (الإجماع تحت مبضع النقد والتحليل)
ملاحظة: هذه المقالة مقتبسة من كتاب "الإجماع" لسماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهراني رضوان الله عليه. وقد قامت الهيئة العلمية في "مدرسة الوحي" بترجمة هذا المقطع من الكتاب لأهميّته. وتجدر الإشارة إلى أنّ الكتاب تحت الترجمة.
