
أصالة المجتمع أم أصالة الفرد أم أصالة الحق؟
آراء الأكثريّة في الميزان
كيف يتشكل المجتمع البشري بين الفطرة الإنسانية وسلطة الإجماع؟ وإلى أي حدٍّ يجب على الفرد الانقياد للقوانين والأعراف السائدة؟ وحين تتصادم ديمقراطية الغالبية مع استقلالية الذات، لمن تكون الأصالة: للفرد أم للمجتمع؟ تُفكك هذه المقالة المقتبسة من كتاب الإجماع لآية الله الطهراني إشكاليّة الأصالتين، لتكشف عن الرؤية القرآنيّة البديلة والمحوريّة الكامنة في أصالة الحق كمعيارٍ أوحد للتشريع، متجاوزةً عادات الجاهليّة والتقليد الأعمى.
أصالة المجتمع أم أصالة الفرد أم أصالة الحق؟
6وأمّا في نظريّة أصالة المُجتمع، فبما أنّ تكوّن المكانة الاجتماعيّة ووُجودها الحقيقيّ يوجب ـ بعد الاعتراف بمَبنى أصالة الفرد ـ الغلبة والسيطرة على اللوازم الحقوقيّة لوُجود الفرد، فإنّ الحقوق الاجتماعيّة ومكانة المُجتمع المُتبلورة من مَجموعة حُقوق الأفراد ستكون بطبيعة الحال مُقدّمةً على الحقوق الفرديّة.
نقد كلتا الأصالتين: الغفلة عن حقيقة الإنسان
غير أنّ الأمر الذي تغافل عنه طرفا النظريّتين كلتيهما يكمن في هويّة أفراد المجتمع المتمثّلة في النوع والعنوان الإنساني. فما هي الهويّة والتعريف الذي يستدعيه مفهوم الإنسان بما هو إنسان بغضّ النظر عن تصوّره منعزلاً عن المجتمع ومبتعدًا عنه أو منخرطًا فيه؟
حقيقة الإنسان في القُرآن
فجوهر الإنسان وحقيقته يشكّلان أرقى وأرفع ظاهرة خَلقيّة ترشّحت من خلال تنزّل روح الحقّ تعالى وذاته إلى عالم الكثرة والمادّة. وتشهد الآيات الكريمة بكلّ صدق على هذه المسألة؛ نظير الآية الشريفة: ﴿فَإِذَا سَوَّيتُهُۥ وَنَفَختُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُۥ سَٰجِدِينَ﴾۱ والآية الشريفة: ﴿ثُمَّ أَنشَأنَٰهُ خَلقًا ءَاخَرَ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحسَنُ ٱلخَٰلِقِينَ﴾٢ حيث تشير كلمة ﴿أَحسَنُ﴾ في هذه الآية إلى غاية التطوّر الحاصل في عالم الخلق، وآخر حدّ ممكن لنزول مشيئة الحقّ تعالى؛ وهي مرتبة يستحيل حتّى على الملائكة المقرّبين تصوّرها أو الوصول إليها، بعنوانها تمثّل ذروة عالم الوجود، بحيث أنّهم ومن خلال تصريحهم بـ: «لَو دَنَوتُ أنمُلةً لاحتَرَقتُ»٣ لا يملكون إلاّ أن يذعنوا بهذه الحقيقة المتعالية ويؤكّدوا عليها. ونظرًا لكون الذات المقدّسة متّصفةً بالحقّ بل هي عين الحقّ؛ فإنّ هذه الحقيقة الإنسانيّة متصّفة به أيضًا ومتقوّمة ومتكوّنة بتلك الجوهرة وتلك الحقيقة.
وكثيرًا ما تواجهنا هذه المسألة المهمّة في الآيات القرآنية الكريمة؛ نظير ما ورد فيها من أنّ: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدعُونَ مِن دُونِهِۦ هُوَ ٱلبَٰطِلُ﴾٤ ﴿فَذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمُ ٱلحَقُّ فَمَاذَا بَعدَ ٱلحَقِّ إِلَّا ٱلضَّلَٰلُ فَأَنَّىٰ تُصرَفُونَ﴾٥ ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكثَرُهُم إِلَّا ظَنًّا إِنَّ ٱلظَّنَّ لَا يُغنِي مِنَ ٱلحَقِّ شَئًا إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفعَلُونَ﴾٦.
ويصوغ الله تعالى تشريعاته على هذا الأساس نفسه بحيث تكون متصفةً هي الأخرى بالحقّ كما ورد في الآية الشريفة: ﴿إِنَّا أَنزَلنَا عَلَيكَ ٱلكِتَٰبَ لِلنَّاسِ بالحَقِّ فَمَنِ ٱهتَدَىٰ فَلِنَفسِهِۦ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيهَا وَمَا أَنتَ عَلَيهِم بِوَكِيلٍ﴾۷ أو الآية الشريفة الأخرى: ﴿يَٰدَاوُۥدُ إِنَّا جَعَلنَٰكَ خَلِيفَةٗ فِي ٱلأَرضِ فاحكُم بَينَ ٱلنَّاسِ بالحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ ٱلهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ ۸ وكذلك الآية: ﴿وَٱللَّهُ يَقضِي بالحَقِّ وَٱلَّذِينَ يَدعُونَ مِن دُونِهِۦ لَا يَقضُونَ بِشَيءٍ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلبَصِيرُ﴾.٩
- سورة الحجر (۱٥)، الآية ٢٩؛ سورة ص (٣۸)، الآية ۷٣.
- سورة المؤمنون (٢٣)، الآية ۱٤.
- مناقب ابن شهرآشوب، ج ۱، ص ۱۷٩؛ وبحار الأنوار، ج ۱۸، ص ٣۸٢.
- سورة الحجّ (٢٢)، صدر الآية ٦٢.
- سورة يونس (۱۰)، الآية ٣٢.
- نفس السورة، الآية ٣٦.
- سورة الزمر (٣٩)، الآية ٤۱.
- سورة ص (٣۸)، صدر الآية ٢٦.
- سورة غافر (٤۰)، الآية ٢۰.
