
أصالة المجتمع أم أصالة الفرد أم أصالة الحق؟
آراء الأكثريّة في الميزان
كيف يتشكل المجتمع البشري بين الفطرة الإنسانية وسلطة الإجماع؟ وإلى أي حدٍّ يجب على الفرد الانقياد للقوانين والأعراف السائدة؟ وحين تتصادم ديمقراطية الغالبية مع استقلالية الذات، لمن تكون الأصالة: للفرد أم للمجتمع؟ تُفكك هذه المقالة المقتبسة من كتاب الإجماع لآية الله الطهراني إشكاليّة الأصالتين، لتكشف عن الرؤية القرآنيّة البديلة والمحوريّة الكامنة في أصالة الحق كمعيارٍ أوحد للتشريع، متجاوزةً عادات الجاهليّة والتقليد الأعمى.
أصالة المجتمع أم أصالة الفرد أم أصالة الحق؟
5والسؤال الذي يطرح هنا هو أنّه: إلى أيّ حدّ يجب على أفراد مجتمع ما اتّباع القوانين والآداب والتقاليد الحاكمة على ذلك المجتمع وانقيادهم لها؟ وبأيّ مقدار وحجم يفرض عليهم ذلك؟
الشكّ في الاعتماد على العقل عند تدوين القوانين ونشوء المسلّمات الاجتماعيّة
إنّ ضرورة إنشاء المجتمع من أجل ضمان بقاء النسل الإنسانيّ واستخدام مختلف القوى في سبيل تحقيق هذا الهدف، تعدّ أصلاً مفروغًا عنه وقاعدة مسلّمة ولا تقبل النقاش؛ لكن هل تنشأ جميع قوانين المجتمع وكافّة أحكامه من العقل الكلّي الحاكم على المصالح والمفاسد والذي يقضي بضرورة أخذ جميع ظروف ذلك المجتمع وأوضاعه بعين الاعتبار على أساس النظام الأصلح والأحسن؟
فمثلاً في مسألة الدفاع وحراسة الحدود والثغور، هل ينشأ الحكم والإلزام بهذا الموضوع وإجبار أفراد المجتمع على الإقدام على هذا الأمر المهمّ من ضرورة عقليّة ومن جبر الزمان والمكان وقسر الناس بدون أيّ دخل لإرادتهم واختيارهم في ذلك؟ أم أنّ لأذواق المسؤولين والرغبات الشخصيّة والآراء المختلفة للمكلّفين بهذا الأمر دورًا في نشأة وتكوّن هذه الضرورة والإلزام ولو كانت خاطئة وسقيمة؟
إنّ التأملّ في هذا الموضوع والتفكير في هذه الظاهرة الواضحة جدًّا والتدبّر في هذه الضرورة الاجتماعيّة توقع الإنسان في القلق والحيرة؛ ففي الوقت الذي تكون فيه ضرورة اجتماعيّة ما باسم الدفاع ومواجهة المعتدي ـ والتي تعدّ موردًا لرضا وتأييد عامّة الناس في المجتمع بحيث يقرّون بصحّتها ويصادقون عليها بعنوان أنّها تمثّل أحد الأصول والسنن العقلائيّة ـ في معرض الخدش والإبهام والتساؤل إلى درجة يشكّ معها الإنسان في أصل حجّيتها ووجودها ويتردّد في ذلك ـ وتمثّل الأحداث التاريخية شاهدًا حيًّا على هذه الدعوى ـ كيف يُمكن للإنسان ألاّ ينتابه الشكّ والحيرة حول العادات والتقاليد والعقائد والأفكار والآداب الحاكمة على المجتمع والتي لا ضرورة ولا إلزام في وجودها وتدخّلها في بقاء واستمرار ذلك المجتمع في الحياة؟ وكيف يُمكنه أن يرى نفسه في هذه الحالة مكلّفًا بمراعاة هذه الأمور والمحافظة عليها؟
مقارنة بين أصالة الفرد وأصالة المجتمع
والنقطة الأساسيّة والمصيريّة التي تعتمد عليها مسألة أصالة الفرد وأصالة المجتمع تتجلّى في سعي كلتا النظريّتين إلى المحافظة على مجال الاختيار واستمراره بالنسبة إلى كلّ واحد من موضوعيهما، وكذا إلى استيفاء الحقوق المشروعة في كلّ واحد منهما. فانطلاقًا من اعتقاد نظريّة أصالة الفرد بأنّ المجتمع عبارة عن مجموعة متشكّلة من كلّ فرد على حدة من أفراد شعب واحد أو شعوب مختلفة؛ فإنّ هذه النظريّة تستند إلى لزوم الأخذ بعين الاعتبار للحقوق الأساسيّة ومبدئها ومنشئها. ومن الطبيعي جدًّا أن يكون التقدّم والأولويّة من نصيب الفرد في صورة تعارض العرض مع الجوهر والاعتبار مع منشأ الاعتبار والانتزاع.۱
- المقصود أنّه إذا تعارضت مصلحة الفرد مع مصلحة المجتمع بناء على نظريّة أصالة الفرد فإنّ المقدّم هو الفرد لأنّه هو الجوهر والأصل والأساس الذي يكوّن المجتمع، والمجتمع عرَض، والفرد هو منشأ الاعتبار والانتزاع والمجتمع هو الأمر الاعتباريّ والانتزاعيّ الذي انتزع من ذلك الفرد. (م)
