
أصالة المجتمع أم أصالة الفرد أم أصالة الحق؟
آراء الأكثريّة في الميزان
كيف يتشكل المجتمع البشري بين الفطرة الإنسانية وسلطة الإجماع؟ وإلى أي حدٍّ يجب على الفرد الانقياد للقوانين والأعراف السائدة؟ وحين تتصادم ديمقراطية الغالبية مع استقلالية الذات، لمن تكون الأصالة: للفرد أم للمجتمع؟ تُفكك هذه المقالة المقتبسة من كتاب الإجماع لآية الله الطهراني إشكاليّة الأصالتين، لتكشف عن الرؤية القرآنيّة البديلة والمحوريّة الكامنة في أصالة الحق كمعيارٍ أوحد للتشريع، متجاوزةً عادات الجاهليّة والتقليد الأعمى.
أصالة المجتمع أم أصالة الفرد أم أصالة الحق؟
3ويُعبّر عن هذه المسائل والقوانين التي تكون ممضاة من جميع أفراد المجتمع ـ بغضّ النظر عن الفئة والطبقة التي ينتمون إليها ـ بموارد الإجماع؛ من قبيل مراعاة قوانين السير في الطرقات، والمحافظة على أمن الناس في أنفسهم وأموالهم وأعراضهم، وعلى الأمن في المهن والتجارات، ومراقبة الحدود والثغور، وتأمين الاحتياجات المعيشيّة والصحيّة وغيرها.
تدوين قوانين المُجتمع على أساس الإجماعيّات
على أنّه من البديهيّ بمكان ألاّ يكون للخصوصيّات القوميّة والاختلافات الناتجة عن تعدّد الأذواق والمذاهب والمدركات الشخصيّة وكذلك التمايز الطبقي بين أفراد المجتمع أيّ دور في مسألة تدوين هذه القوانين ووضعها بل سيُقتصر في ذلك فقط على الاهتمام بالمحافظة على ذلك المجتمع ودوام حياته وبقائه كمجتمع. ومن الطبيعيّ أن ينجرّ المجتمع إلى الهرج والمرج وبالتالي إلى الزوال والفناء في صورة ظهور الخلاف والفرقة حول هذه الأصول والقوانين والعمل على طبق الأذواق والميول الفرديّة.
ويشير ول ديورانت في كتابه "قصّة الحضارة" إلى هذه الحقيقة من خلال هذه العبارة: "الحضارة نظام اجتماعيّ يعين الإنسان على الزيادة من إنتاجه الثقافيّ، وإنّما تتألف الحضارة من عناصر أربعة: الموارد الاقتصاديّة، والنظم السياسيّة، والتقاليد الخلقيّة، ومتابعة العلوم والفنون؛ وهي تبدأ حيث ينتهي الاضطراب والقلق، لأنّه إذا ما أَمِنَ الإنسان من الخوف، تحرّرت في نفسه دوافع التطلّع وعوامل الإبداع والإنشاء، وبعدئذ لا تنفكّ الحوافز الطبيعيّة تستنهضه للمضيّ في طريقه إلى فهم الحياة وازدهارها".۱
وتعتبر مسألة مراعاة هذه النقطة من الأمور البديهيّة والأساسيّة، بمعنى أنّ تحقيق العدالة الاجتماعيّة والعمل على إحلال الأمن في كافّة الجهات المختلفة للمجتمع وشؤونه ليس فقط ممّا أقرّه هذا الكاتب المستشرق وادّعاه، بل إنّ جميع الخبراء والمتخصّصين في المسائل الاجتماعيّة والقوانين الدوليّة يذعنون ويقرّون بهذه المسألة، كما أنّهم يرون عدم مراعاتها مفضيةً إلى اندثار المجتمع، وإلى فناء البشرية في دائرة أوسع.
يقول أمير المؤمنين عليه السلام في الخطبة الأربعين من "نهج البلاغة": «وَإِنَّهُ لا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ أَمِيرٍ بَرٍّ أَوْ فَاجِرٍ، يَعْمَلُ فِي إِمْرَتِهِ الْمُؤْمِنُ، وَيَسْتَمْتِعُ فِيهَا الْكَافِرُ، وَيُبَلِّغُ اللَّهُ فِيهَا الأَجَلَ، وَيُجْمَعُ بِهِ الْفَيْءُ، وَيُقَاتَلُ بِهِ الْعَدُوُّ، وَتَأْمَنُ بِهِ السُّبُلُ، وَيُؤْخَذُ بِهِ لِلضَّعِيفِ مِنَ الْقَوِيِّ؛ حَتَّى يَسْتَرِيحَ بَرٌّ وَيُسْتَرَاحَ مِنْ فَاجِرٍ».٢
- قصّة الحضارة، ترجمة الدكتور زكي نجيب محمود، ج ۱، ص ٣، دار الجيل، بيروت، ۱٤۰۸ هـ.
- نهج البلاغة، شرح محمّد عبده، ج ۱، ص ٩۱.
