
أصالة المجتمع أم أصالة الفرد أم أصالة الحق؟
آراء الأكثريّة في الميزان
كيف يتشكل المجتمع البشري بين الفطرة الإنسانية وسلطة الإجماع؟ وإلى أي حدٍّ يجب على الفرد الانقياد للقوانين والأعراف السائدة؟ وحين تتصادم ديمقراطية الغالبية مع استقلالية الذات، لمن تكون الأصالة: للفرد أم للمجتمع؟ تُفكك هذه المقالة المقتبسة من كتاب الإجماع لآية الله الطهراني إشكاليّة الأصالتين، لتكشف عن الرؤية القرآنيّة البديلة والمحوريّة الكامنة في أصالة الحق كمعيارٍ أوحد للتشريع، متجاوزةً عادات الجاهليّة والتقليد الأعمى.
أصالة المجتمع أم أصالة الفرد أم أصالة الحق؟
2بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين وصلّى الله على سيّدنا محمدٍ وآله الطّاهرينَ
ولعنةُ الله على أعدائهم أجمعينَ إلى يوم الدّين
تكوّن المجتمع على أساس الاتّفاق والاتّحاد والإجماع
تعتمد المسائل الإجماعيّة والقواعد السائدة لدى الأمم والشعوب على المفاهيم الأوليّة والبديهيّة والفطريّة؛ وأمثلة ذلك هو الحريّات الفرديّة والاجتماعيّة، وحقّ الإنسان في تشكيل مؤسّسة الأسرة، ومزاولة الأعمال التي يريد، والاستفادة من النعم الإلهيّة ومن الأمن القانونيّ والاجتماعيّ والعدالة الاجتماعيّة، وعشرات من المصاديق الأخرى للقوانين والأصول المدوّنة في مجال حقوق الإنسان والتي تعتمد كلّها على ذاك الأصل الأوّلي والأساس الفطريّ، حتّى أنّ تشكّل الحضارة والمجتمع يتوقّف بنفسه على مسألة القبول بهذا الأصل في سبيل تحصيل الحقوق الفطريّة والحظوظ الأوّلية.
وهناك رواية معروفة ومشهورة عن الرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم تقول: «تَرَى المؤمنينَ في تَراحُمِهم وتوادِّهم وتَعاطُفِهم كمَثلِ الجَسد إذا اشتَكَى عُضوٌ تَداعَى لَه سائرُ الأعضاءِ۱ بِالسَّهَر والحُمَّى».٢
ففي هذه الرواية الشريفة يعتبر الرسول الأكرم أنّ التشكّل الماهوي للمجتمع متوقّف على تحقّق روحٍ ونفسٍ واحدة تكون حاكمة على هذا المجتمع؛ وكما أنّ النفس الإنسانيّة تؤدّي إلى الاجتماع والائتلاف والانسجام على مستوى جميع أعضاء البدن، وأيضًا على مستوى نحوِ تأثير كلّ واحد منها في الآخر وتأثّره به، فكذلك تفضي الروح والنفس الحاكمة على المجتمع وأفراده إلى الوحدة في وجهات النظر وتبعث على تبنّي مناهج وسنن مشتركة في سبيل المحافظة على المجتمع واستمراره في الحياة. ويعدّ الشعر الذي أورده سعدي الشيرازي في هذا المجال مستنبطًا من هذا الحديث الشريف ومقتبسًا منه:
بنى آدم اعضـاى يكديگرنــد *** كه در آفرينش ز يك جوهرند چو عضوی به درد آورد روزگار *** دگر عضوها را نمانـد قـرار تو كز محنت ديگران بـی غمـی *** نشايد كه نامت نهنـد آدمـی يقول:
أبناء آدم في ترابط خلقهم *** أعضاء جسم واحد من جوهر
إن مُسّ عضوٌ منهمُ بأذيّة *** فسواه لن يجد الهناء بمُسْرِر
إن كنت لا تأسى لمحنة صاحب *** فاسم ابن آدم فيك غير ميسّر
وتبتني هذه الوحدة والاتحاد على أساس احترام الحقوق المتبادلة وتحقيق العدالة الفرديّة والاجتماعيّة وضمان حقّ البقاء والعمل على تنمية الاستعدادات وتأمين الظروف والمعدّات اللازمة من أجل الوصول إلى الغايات والأهداف العقلائيّة التي يصبو إليها المجتمع، بحيث أنّه في الوقت الذي يتمكّن فيه كلّ فرد من الاستفادة من الصلاحيّات المخوّلة له وممارسة حقوقه الشخصيّة في سبيل تحقيق أهدافه ومبتغياته الخاصّة في هذا العالم؛ يكون عليه ألاّ يغفل عن مراعاة المصالح العامّة للمجتمع، وذلك من أجل الحفاظ على النظام الأحسن والبقاء الأكمل.
- في نسخة أخرى: سائر جَسَدِه.
- صحيح البخاري، ج ۷، ص ۷۸؛ وكنز العمال، ج ۱، ص ۱٥٣؛ وراجع أيضًا: المؤمن، ص ٣٩؛ وأعلام الدين، ص ٤٤۰؛ وبحار الأنوار، ج ٥۸، ص ۱٥۰؛ وج ۱۷، ص ٢٣٤.
