انقطع الاتصال بالخادم. جارٍ إعادة المحاولة...

يتعذّر إنشاء الاتصال.

تم رفض الاتصال من قبل الخادم.

يتم تشغيل هذا الملف الصوتي
جارٍ التحميل...
00:00:00
صورة

نسبيّة الأخلاق

نقد العلاّمة الطباطبائي لنسبيّة الأخلاق

288

هل الأخلاق مجرّد قوالب مطّاطيّة تتغيّر بتغيّر الزمان والمكان؟ وماذا لو تحوّل الظلم والسرقة إلى “فضيلة” إن خدما مصلحة المجتمع، والعدل “رذيلة” إن خالفها؟! كيف ردّ العلاّمة الطباطبائي على دعاة “النسبيّة الأخلاقيّة” الذين يربطون القيم بالتطوّر المادي؟ وهل خلاف الشعوب في الأخلاق هو اختلافٌ في المبدأ أم مجرّد خطأ في التطبيق؟ يجيب العلاّمة الطباطبائي عن هذه الأسئلة الدقيقة مبيّنًا مواضع الضعف في هذه النظريّة.

نسبيّة الأخلاق

9
  • و مثل أنّ عفّة النساء بمعنى حفظ البضع من غير الزوج، و كذا الحياء من النساء و كذا الغيرة من رجالهنّ، و كذا عدّة من الفضائل كالقناعة و التواضع أخلاق لا يذعن بفضلها في بعض الاجتماعات، لكنّ ذلك منهم لأنّ اجتماعهم الخاصّ لا يعدّها مصاديق للعفّة و الحياء و الغيرة و القناعة و التواضع، لا لأنّ هذه الفضائل۱ ليست فضائل عندهم.

  • و الدليل على ذلك وجود أصلها عندهم، فهم يمدحون عفّة الحاكم في حكمه و القاضي في قضائه، ويمدحون الاستحياء من مخالفة القوانين، و يمدحون الغيرة للدفاع عن الاستقلال و الحضارة وعن جميع مقدّساتهم، و يمدحون القناعة بما عيّنه القانون من الحقوق لهم، و يمدحون التواضع لأئمّتهم وهداتهم في الاجتماع. 

  • فساد قولهم بدوران الأخلاق مدار موافقتها لغاية المجتمع

  • و أمّا قولهم: بدوران الأخلاق في حسنها مدار موافقتها لغاية المرام الاجتماعي و استنتاجهم ذلك من دوران حسنها مدار موافقة غاية الاجتماع، ففيه مغالطة واضحة؛ فإنّ المراد بالاجتماع الهيئة الحاصلة من عمل مجموع القوانين التي قرّرتها الطبيعة بين الأفراد المجتمعين، و لا محالة تكون موصلة إلى سعادتهم لولا الإخلال بانتظامها و جريها، و لا محالة لها أحكام من الحسن و القبح و الفضيلة و الرذيلة.

  • و المراد بالمرام مجموع الفرضيّات التي وضعت لإيجاد اجتماع على هيئة جديدة بتحميلها على الأفراد المجتمعين، أعني أنّ الاجتماع و المرام الاجتماعي متغايران بالفعليّة و القوة، و التحقّق و فرض التحقّق٢، فكيف يصير حكم أحدهما عين حكم الآخر، و كيف يكون الحسن و القبح، و الفضيلة والرذيلة التي عيّنها الاجتماع العام باقتضاء من الطبيعة الإنسانيّة متبدّلة إلى ما حكم به المرام الذي ليس إلا فرضًا من فارض؟!٣

  • و لو قيل: أن لا حكم للاجتماع العامّ الطبيعيّ من نفسه بل الحكم للمرام، و خاصة إذا كانت فرضيّة متلائمة لسعادة الأفراد عاد الكلام السابق في الحسن و القبح، و الفضيلة و الرذيلة، و أنّها تنتهي بالآخرة إلى اقتضاء مستمرّ من الطبيعة.

  • على أنّ هاهنا محذورًا آخر و هو أنّ الحسن و القبح و سائر الأحكام الاجتماعيّة ـ و هي التي تعتمد عليها الحجّة الاجتماعيّة و تتألّف منها الاستدلالات ـ لو كانت تابعة للمرام، و من الممكن بل الواقع تحقّق مرامات مختلفة متناقضة متباينة أدّى ذلك إلى ارتفاع الحجّة المشتركة المقبولة عند عامّة الاجتماعات، ولم يكن التقدّم و النجاح حينئذ إلا للقدرة و التحكّم، و كيف يمكن أن يقال: إنّ الطبيعة الإنسانيّة ساقت أفرادها إلى حياة اجتماعيّة لا تفاهم بين أجزائها و لا حكم يجمعها إلا حكم مبطل لنفس الاجتماع؟ و هل هذا إلا تناقض شنيع في حكم الطبيعة و اقتضائها الوجودي؟٤و٥.

    1. أي العفّة والقناعة والغيرة والتواضع. (م)
    2. أي إنّ الاجتماع هو الحالة الراهنة للمجتمع، والمرام هو الغاية والهدف المرحليّ الذي يسعى المجتمع أن يكون عليها كأن يكون على حالة من الكمال. (م)
    3. يريد أنّ الحسن والقبح والفضيلة والرذيلة أمور تابعة للمجتمع الفعليّ الراهن فسعادته هي التي تقتضي ذلك، لا المرام والغاية التي يسعى إليها فإنّها مجرّد غاية فرضيّة غير متحقّقة. (م)
    4. يريد أنّه لو كان المعيار في الحسن والقبح هو المرام والغاية التي يضعها المجتمع لنفسه ولو لم تكن حقّة ومؤدّية إلى سعادته، نتج عن ذلك أنّ كلّ جماعة ستضع لنفسها غاية مغايرة لغاية الجماعة الأخرى فيقع بينها التناحر وتكون الغلبة للأقوى والأكثر تسلّطًا، وفي ذلك فساد المجتمع، فلو لم يكن هناك معيار واحد وثابت للحسن والقبح تتبعه المجتمعات كلّها للزم فساد المجتمعات.
      وحاصل المقالة كلّها أن لا صحّة للنظريّات الماديّة التي تدّعي نسبيّة الأخلاق وارتهانها بتبدّل الأهداف والمصالح الاجتماعيّة المتغيّرة، فالطبيعة الإنسانيّة، ومعها الحاجة الفطريّة للعيش في مجتمع، تُمثّل حقيقة راسخة ومستمرّة لا تتبدّل بتبدّل الأفراد أو الأزمان أو الأماكن. 
      واستناداً إلى هذا الثبات الإنسانيّ، تبرز أصول الفضائل (العدالة، الحكمة، الشجاعة، العفّة) كقيم مطلقة وثابتة لا بديل عنها لبلوغ الكمال ومثلها فروعها. 
      وما نراه من تفاوتٍ في السلوكيّات بين المجتمعات ليس رفضاً لمبدأ الفضيلة ذاته، بل هو مجرّد خطأ واختلاف في تشخيص مصاديقها وتطبيقاتها الخارجيّة. 
      لذا، فإنّ إخضاع الأخلاق للأيديولوجيات المتبدّلة يمثّل تدميراً للفطرة السليمة وللمجتمع الإنساني؛ لأنّ الفضائل التي تبني الفرد وتسمو به هي ذاتها التي ترتقي بالمجتمع. (م)
    5.  تفسير الميزان ج۱، ص ٥٣۷ـ ٣۸٢.
/ 380