
نسبيّة الأخلاق
نقد العلاّمة الطباطبائي لنسبيّة الأخلاق
هل الأخلاق مجرّد قوالب مطّاطيّة تتغيّر بتغيّر الزمان والمكان؟ وماذا لو تحوّل الظلم والسرقة إلى “فضيلة” إن خدما مصلحة المجتمع، والعدل “رذيلة” إن خالفها؟! كيف ردّ العلاّمة الطباطبائي على دعاة “النسبيّة الأخلاقيّة” الذين يربطون القيم بالتطوّر المادي؟ وهل خلاف الشعوب في الأخلاق هو اختلافٌ في المبدأ أم مجرّد خطأ في التطبيق؟ يجيب العلاّمة الطباطبائي عن هذه الأسئلة الدقيقة مبيّنًا مواضع الضعف في هذه النظريّة.
نسبيّة الأخلاق
8و على هذا فكيف يمكن أن يفرض اجتماع كيفما فرض و لا يعتقد أهله أنّ من الواجب أن يعطى كلّ ذي حقّ حقّه؟! أو أنّ جلب المنافع بقدر ما ينبغي واجب؟! أو أنّ الدفاع عن مصالح الاجتماع بقدر ما ينبغي لازم؟! أو أنّ العلم الذي تتميّز به منافع الإنسان من غيرها فضيلة حسنة؟! و هذه هي العدالة والعفة و الشجاعة و الحكمة التي ذكرنا أنّ الاجتماع الإنسانيّ كيفما فُرض لا يحكم إلا بحسنها وكونها فضائل إنسانيّة، و كذا كيف يتيسّر لاجتماع أن لا يحكم بوجوب الانقباض و الانفعال عن التظاهر بالقبيح الشنيع؟! و هو الحياء من شعب العفّة، أو لا يحكم بوجوب السخط و تغيّر النفس في هتك المقدّسات و هضم الحقوق؟! و هو الغيرة من شعب الشجاعة، أو لا يحكم بوجوب الاقتصار على ما للإنسان من الحقوق الاجتماعيّة؟! و هو القناعة، أو لا يحكم بوجوب حفظ النفس في موقعها الاجتماعي من غير دحض الناس و تحقيرهم بالاستكبار و البغي بغير الحق؟! و هو التواضع. و هكذا الأمر في كلّ واحد واحد من فروع الفضائل.
فساد قولهم باختلاف المجتمعات في الفضائل
و أمّا ما يزعمونه من اختلاف الأنظار في الاجتماعات المختلفة في خصوص الفضائل و صيرورة الخُلُق الواحد فضيلة عند قوم رذيلة عند آخرين في أمثلة جزئيّة فليس من جهة اختلاف النظر في الحكم الاجتماعيّ بأن يعتقد قوم بوجوب اتباع الفضيلة الحسنة و آخرون بعدم وجوبه بل من جهة الاختلاف في انطباق الحكم على المصداق و عدم انطباقه.
مثل أنّ الاجتماعات التي كانت تديرها الحكومات المستبدّة كانت ترى لعرش الملك الاختيار التامّ في أن يفعل ما يشاء و يحكم ما يريد، و ليس ذلك لسوء ظنّهم بالعدالة، بل لاعتقادهم بأنّه من حقوق السلطنة و الملك، فلم يكن ذلك ظلمًا من مقام السلطنة بل إيفاء بحقوقه الحقّة بزعمهم.
و مثل أنّ العلم كان يعيّر به الملوك في بعض الاجتماعات، كما يحكى عن ملّة فرنسا في القرون الوسطى، و لم يكن ذلك لتحقيرهم فضيلة العلم، بل لزعمهم أنّ العلم بالسياسة و فنون إدارة الحكومة يضادّ المشاغل السلطانيّة.
