
نسبيّة الأخلاق
نقد العلاّمة الطباطبائي لنسبيّة الأخلاق
هل الأخلاق مجرّد قوالب مطّاطيّة تتغيّر بتغيّر الزمان والمكان؟ وماذا لو تحوّل الظلم والسرقة إلى “فضيلة” إن خدما مصلحة المجتمع، والعدل “رذيلة” إن خالفها؟! كيف ردّ العلاّمة الطباطبائي على دعاة “النسبيّة الأخلاقيّة” الذين يربطون القيم بالتطوّر المادي؟ وهل خلاف الشعوب في الأخلاق هو اختلافٌ في المبدأ أم مجرّد خطأ في التطبيق؟ يجيب العلاّمة الطباطبائي عن هذه الأسئلة الدقيقة مبيّنًا مواضع الضعف في هذه النظريّة.
نسبيّة الأخلاق
3هذه خلاصة هذه النظريّة العجيبة التي ذهبت إليها الاشتراكيّون من الماديّين، و النظريّة غير حديثة، على ما زعموا، فقد كان الكلبيّون من قدماء ـ اليونان ـ على ما ينقل على هذه المسلك، و كذا المزدكيّون وهم أتباع مزدك الذي ظهر بإيران على عهد كسرى و دعا إلى الاشتراك، كان عملهم على ذلك، و يعهد من بعض القبائل الوحشيّة بإفريقيّة و غيرهم.
الرد على نظريّة نسبيّة الأخلاق
و كيف كان فهو مسلك فاسد، و الحجّة التي أقيمت على هذه النظريّة فاسدة من حيث البناء و المبنى معًا۱، توضيح ذلك:
المقدّمة الأولى: تشخّص الموجودات الخارجيّة وعدم تشخّص المفاهيم الذهنيّة
أنّا نجد كلّ موجود من هذه الموجودات العينيّة الخارجيّة يصحب شخصيّة تلازمه، ويلزمه أن لا يكون الموجود بسببه عين الموجود الآخر، و يفارقه في الوجود، كما أنّ وجود زيد يصحب شخصيّةً ونوع وحدة لا يمكن معها أن يكون عين عمرو، فزيد شخص واحد، و عمرو شخص آخر، و هما شخصان اثنان، لا شخص واحد، فهذه حقيقة لا شكّ فيها، و هذا غير ما نقول: إنّ عالم المادة موجود ذو حقيقة واحدة شخصيّة فلا ينبغي أن يشتبه الأمر.
و ينتج ذلك: أنّ الوجود الخارجيّ عين الشخصيّة، لكنّ المفاهيم الذهنيّة تخالف الموجود الخارجيّ في هذا الحكم فإنّ المعنى كيف ما كان يجوِّزُ العقلُ أن يصدقَ على أكثر من مصداق واحد كمفهوم الإنسان و مفهوم الإنسان الطويل، و مفهوم هذا الإنسان القائم أمامنا.
و أمّا تقسيم المنطقيّين المفهوم إلى الكليّ و الجزئيّ، و كذا تقسيمهم الجزئيّ إلى الإضافي و الحقيقي، فإنّما هو تقسيم بالإضافة و النسبة، إما نسبة أحد المفهومين إلى الآخر و إما نسبته إلى الخارج، و هذا الوصف الذي في المفاهيم ـ و هو جواز الانطباق على أكثر من واحد ـ ربّما نسمّيه بالإطلاق كمّا نسمي مقابله بالشخصيّة أو الوحدة.٢
المقدّمة الثانية: تغيّر الموجود وحركته واقتضاؤها لوجود قَدْرٍ مشترك ثابت
ثمّ الموجود الخارجيّ ـ و نعني به الموجود الماديّ خاصّة ـ لمّا كان واقعًا تحت قانون التغيّر و الحركة العموميّة، كان لا محالة ذا امتداد منقسمًا إلى حدود و قطعات، كلّ قطعة منها تغاير القطعة الأخرى ممّا تقدم عليها أو تأخّر عنها، و مع ذلك فهي مرتبطة بها بوجودها، إذ لو لا ذلك لم يصدق معنى التغيّر والتبدّل لأنّ أحد شيئين إذا عدم من أصله، و الآخر وجد من أصله لم يكن ذلك تبدّل هذا من ذاك، بل التبدّل الذي يلازم كلّ حركة إنّما يتحقّق بوجود قدر مشترك في الحالين جميعًا.
- أي الأساس الذي بنوا عليه دليلهم، وكذلك الدليل نفسه فاسد. (م)
- حيث إنّ أصحاب تلك النظريّة ينفون وصف الإطلاق عن الحسن والقبح، فلا بدّ من بيان معاني الإطلاق، وحيث إنّهم يريدون أن يثبتوا التحوّل في مفهومي الحسن والقبح تبعًا لتحوّل الفرد والمجتمع، بدأ العلاّمة بالحديث عن أنّ الفرد والذي هو أساس المجتمع هو موجود متشخّص محدّد. وفي مقابل التشخّص الإطلاق بأحد معنييه وهو قابليّة الانطباق على كثيرين. (م)
