
المناهج الثلاثة في تربية النفس
منهج القرآن في التربية الأخلاقيّة
ما السرّ الذي يجعل “الأخلاق القرآنية” فريدةً من نوعها، وليست مجرّد تكرار لتعاليم الفلاسفة أو الأديان السابقة كما يزعم بعض المستشرقين؟ ما المنهجان الأساسيّان لتهذيب النفس في المدارس البشرية وشرائع الأنبياء السابقين؟ كيف يحرّر منهج التوحيد الخالص والمحبّة الإلهية روح الإنسان، ويغسل قلبه من الخوف والطمع والرياء؟ يجيب العلاّمة الطباطبائي عن هذه الأسئلة الدقيقة مبيّنًا المنهج الأخلاقيّ الخاصّ الذي ابتكره القرآن الكريم والذي يقتلع الرذائل من جذورها بل لا يدع لها موضعًا تنبت فيه.
المناهج الثلاثة في تربية النفس
9و كذلك قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى﴾۱، و قوله: ﴿ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾٢، و قوله: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾٣، و قوله: ﴿وَ عَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾٤ وقوله: ﴿كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ﴾٥، و قوله: ﴿وَ قَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾٦، و قوله: ﴿أَ وَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾۷، و قوله: ﴿أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾۸، و قوله: ﴿وَ أَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى﴾٩.
و من هذا الباب الآيات التي نحن فيها و هي قوله تعالى: ﴿وَ بَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾ إلى آخرها فإنّ هذه الآيات و أمثالها مشتملة على معارف خاصّة إلهيّة ذات نتائج خاصّة حقيقيّة لا تشابه تربيتها نوع التربية التي يقصدها حكيم أخلاقي في فنّه، و لا نوع التربية التي سنّها الأنبياء في شرائعهم، فإنّ المسلك الأوّل كما عرفت مبنيّ على العقائد العامّة الاجتماعيّة في الحسن و القبح، و المسلك الثاني مبنيّ على العقائد العامّة الدينية في التكاليف العبوديّة ومُجازاتِها، و هذا المسلك الثالث مبنيّ على التوحيد الخالص الكامل الذي يختصّ به الإسلام على مشرّعه و آله أفضل الصلاة. هذا.
ردّ دعوى بعض المستشرقين في كون تعاليم الإسلام مكرّرة في الأديان السابقة
فإن تعجب فعجب قول بعض المستشرقين من علماء الغرب في تاريخه الذي يبحث فيه عن تمدّن الإسلام، و حاصله: أنّ الذي يجب للباحث أن يعتني به هو البحث عن شؤون المدنيّة التي بسطتها الدعوة الدينيّة الإسلاميّة بين الناس من متّبعيها، و المزايا و الخصائص التي خلّفها و ورّثها فيهم من تقدّم الحضارة و تعالي المدنيّة، و أما المعارف الدينيّة التي يشتمل عليها الإسلام فهي موادّ أخلاقية يشترك فيها جميع النبوّات، و يدعو إليها جميع الأنبياء. هذا.
و أنت بالإحاطة بما قدّمناه من البيان تعرف سقوط نظره، و خبط رأيه فإنّ النتيجة فرع لمقدّمتها، والآثار الخارجيّة المترتّبة على التربية إنّما هي مواليد و نتائج لنوع العلوم و المعارف التي تلقّاها المتعلّم المتربّي، و ليسا سواء قول يدعو إلى حقّ نازل و كمال متوسّط، و قول يدعو إلى محض الحقّ وأقصى الكمال، و هذا حال هذا المسلك الثالث، فأوّل المسالك يدعو إلى الحقّ الاجتماعيّ، و ثانيها يدعو إلى الحقّ الواقعيّ و الكمال الحقيقيّ الذي فيه سعادة الإنسان في حياته الآخرة، و ثالثها يدعو إلى الحقّ الذي هو الله، و يبني تربيته على أنّ الله سبحانه واحد لا شريك له، و ينتج العبوديّة المحضة، وكم بين المسالك من فرق.
- سورة طه، الآية ۸.
- سورة الأنعام، الآية ۱۰٢.
- سورة السجدة، الآية ۷.
- سورة طه، الآية ۱۱۱.
- سورة البقرة، الآية ۱۱٦.
- سورة الإسراء، الآية ٢٣.
- سورة فصلت، الآية ٥٣.
- سورة فصّلت، الآية ٥٤.
- سورة النجم، الآية ٤٢.
