انقطع الاتصال بالخادم. جارٍ إعادة المحاولة...

يتعذّر إنشاء الاتصال.

تم رفض الاتصال من قبل الخادم.

جارٍ التحميل...
00:00:00
صورة
إضافة للمفضلة

المناهج الثلاثة في تربية النفس

منهج القرآن في التربية الأخلاقيّة

0

ما السرّ الذي يجعل “الأخلاق القرآنية” فريدةً من نوعها، وليست مجرّد تكرار لتعاليم الفلاسفة أو الأديان السابقة كما يزعم بعض المستشرقين؟ ما المنهجان الأساسيّان لتهذيب النفس في المدارس البشرية وشرائع الأنبياء السابقين؟ كيف يحرّر منهج التوحيد الخالص والمحبّة الإلهية روح الإنسان، ويغسل قلبه من الخوف والطمع والرياء؟ يجيب العلاّمة الطباطبائي عن هذه الأسئلة الدقيقة مبيّنًا المنهج الأخلاقيّ الخاصّ الذي ابتكره القرآن الكريم والذي يقتلع الرذائل من جذورها بل لا يدع لها موضعًا تنبت فيه.

المناهج الثلاثة في تربية النفس

8
  • المنهج الخاصّ بالقرآن وطريقة المحبّة

  • و هاهنا مسلك ثالث مخصوص بالقرآن الكريم، لا يوجد في شي‌ء مما نقل إلينا من الكتب السماوية وتعاليم الأنبياء الماضين سلام الله عليهم أجمعين، و لا في المعارف المأثورة من الحكماء الإلهيّين، و هو تربية الإنسان وصفًا و علمًا باستعمال علوم و معارف لا يبقى معها موضوع الرذائل، و بعبارة أخرى إزالة الأوصاف الرذيلة بالدفع لا بالرفع۱.

  • و ذلك كما أنّ كلّ فعل يراد به غير الله سبحانه فالغاية المطلوبة منه إمّا عزّة في المطلوب يُطمع فيها، أو قوّة يخاف منها و يُحذر عنها، لكنّ الله سبحانه يقول: ﴿إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً﴾٢، و يقول: ﴿أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً﴾٣، و التحقّق بهذا العلم الحقّ لا يبقي موضوعًا لرياء و لا سمعة و لا خوف من غير الله، و لا رجاء لغيره، و لا ركون إلى غيره، فهاتان القضيّتان إذا صارتا معلومتين للإنسان تغسلان كلّ ذميمة وصفًا أو فعلاً عن الإنسان، و تحلّيان نفسه بحلية ما يقابلها من الصفات الكريمة الإلهيّة من التقوّي بالله، و التعزّز بالله و غيرهما من مناعة و كبرياء و استغناء و هيبة إلهية ربانيّة.

  • و أيضا قد تكرّر في كلامه تعالى: أنّ الملك للّه، و أنّ له ملك السماوات و الأرض و أن له ما في السماوات و الأرض و قد مرّ بيانه مرارًا٤، و حقيقة هذا الملك كما هو ظاهر لا تبقي لشي‌ء من الموجودات استقلالاً دونه و استغناء عنه بوجه من الوجوه؛ فلا شي‌ء إلا و هو سبحانه المالك لذاته ولكلّ ما لذاته، و إيمان الإنسان بهذا الملك و تحقّقه به يوجب سقوط جميع الأشياء ذاتًا و وصفًا و فعلاً عنده عن درجة الاستقلال، فهذا الإنسان لا يمكنه أن يريد غير وجهه تعالى، و لا أن يخضع لشي‌ء، أو يخاف أو يرجو شيئًا، أو يلتذّ أو يبتهج بشي‌ء، أو يركن إلى شي‌ء، أو يتوكّل على شي‌ء، أو يسلم لشي‌ء، أو يفوض إلى شي‌ء، غير وجهه تعالى، و بالجملة لا يريد و لا يطلب شيئًا إلاّ وجهه الحقّ الباقي بعد فناء كلّ شي‌ء، و لا يعرض إعراضًا و لا يهرب إلا عن الباطل الذي هو غيره الذي لا يرى لوجوده وقعًا و لا يعبأ به قبال الحقّ الذي هو وجود باريه جل شأنه.

    1. هذا هو الصواب وكانت في الأصل بالرفع لا بالدفع، ويبدو أنّه من خطأ النسّاخ. والفرق بين الدفع والرفع، أنّ الدفع هو منع تحقّق الشيء قبل حصوله، وأمّا الرفع فهو إزالته بعد حصوله. وحيث إنّ طريقة القرآن تمحو الملكيّة الاستقلاليّة للإنسان لذاته وصفاته وأفعاله فهي تدفع الرذائل قبل حصولها، لا أنّها تعالجها بعده. نعم ما كان حاصلاً منها فإنّها ترفعه من أصله وجذوره، وما سيأتي منها لا يمكن أن يتحقّق أبدًا. (م)
    2. سورة يونس، الآية ٦٥.
    3. سورة البقرة، الآية ۱٦٥.
    4. انظر على سبيل المثال تفسير الميزان ج٢ ص ۷٩.