
المناهج الثلاثة في تربية النفس
منهج القرآن في التربية الأخلاقيّة
ما السرّ الذي يجعل “الأخلاق القرآنية” فريدةً من نوعها، وليست مجرّد تكرار لتعاليم الفلاسفة أو الأديان السابقة كما يزعم بعض المستشرقين؟ ما المنهجان الأساسيّان لتهذيب النفس في المدارس البشرية وشرائع الأنبياء السابقين؟ كيف يحرّر منهج التوحيد الخالص والمحبّة الإلهية روح الإنسان، ويغسل قلبه من الخوف والطمع والرياء؟ يجيب العلاّمة الطباطبائي عن هذه الأسئلة الدقيقة مبيّنًا المنهج الأخلاقيّ الخاصّ الذي ابتكره القرآن الكريم والذي يقتلع الرذائل من جذورها بل لا يدع لها موضعًا تنبت فيه.
المناهج الثلاثة في تربية النفس
7طريقة القرآن في الاستفادة من القضاء والقدر في التربية: التمييز بين نوعين من الأعمال
فإذا عرفت ما ذكرنا و هو حقيقة قرآنيّة يعطيها التعليم الإلهيّ كما مرّ، ثمّ تدبرت في الآيات الشريفة التي في المورد، وجدت أنّ القرآن يستند إلى القضاء المحتوم و الكتاب المحفوظ في إصلاح بعض الأخلاق دون بعض:
۱ـ ما كان إسناده إلى القضاء يبطل اختيار الإنسان (الأفعال القبيحة)
فما كان من الأفعال أو الأحوال و الملكات يوجب استناده إلى القضاء و القدر إبطال حكم الاختيار، فإنّ القرآن لا يستند إليه، بل يدفعه كلّ الدفع كقوله تعالى:﴿وَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَ اللَّهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾۱.
٢ـ ما كان عدم إسناده إلى القضاء يثبت استقلال الإنسان (کالأفعال الحسنة)
و ما كان منها يوجب سلبُ استنادِه إلى القضاء إثباتَ استقلال اختيار الإنسان في التأثير، و كونه سببًا تامًّا غير محتاج في التأثير، و مستغنيًا عن غيره، فإنّه يثبت استنادَه إلى القضاء و يهدي الإنسانَ إلى مستقيم الصراط الذي لا يخطئ بسالكه، حتّى ينتفي عنه رذائل الصفات التي تتبعه كإسناد الحوادث إلى القضاء كي لا يفرح الإنسان بما وجده جهلاً، و لا يحزن بما فقده جهلاً، كما في قوله تعالى: ﴿وَ آتُوهُمْ مِنْ مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ﴾٢، فإنّه يدعو إلى الجود بإسناد المال إلى إيتاء الله تعالى.
و كما في قوله تعالى: ﴿وَ مِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ﴾٣، فإنّه يندب إلى الإنفاق بالاستناد إلى أنّه من رزق الله تعالى، و كما في قوله تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾٤، نهى رسولَه صلّى الله عليه وآله عن الحزن و الغمّ استنادًا إلى أنّ كفرهم ليس غلبة منهم على الله سبحانه، بل ما على الأرض من شيء أمور مجعولة عليها للابتلاء و الامتحان. إلى غير ذلك... .
و هذا المسلك أعني الطريقة الثانية في إصلاح الأخلاق طريقة الأنبياء، و منه شيء كثير في القرآن، وفيما ينقل إلينا من الكتب السماويّة.
- سورة الأعراف، الآية ٢۸.
- سورة النور، الآية ٣٣.
- سورة البقرة، الآية ٣.
- سورة الكهف، الآية ۷.
