
المناهج الثلاثة في تربية النفس
منهج القرآن في التربية الأخلاقيّة
ما السرّ الذي يجعل “الأخلاق القرآنية” فريدةً من نوعها، وليست مجرّد تكرار لتعاليم الفلاسفة أو الأديان السابقة كما يزعم بعض المستشرقين؟ ما المنهجان الأساسيّان لتهذيب النفس في المدارس البشرية وشرائع الأنبياء السابقين؟ كيف يحرّر منهج التوحيد الخالص والمحبّة الإلهية روح الإنسان، ويغسل قلبه من الخوف والطمع والرياء؟ يجيب العلاّمة الطباطبائي عن هذه الأسئلة الدقيقة مبيّنًا المنهج الأخلاقيّ الخاصّ الذي ابتكره القرآن الكريم والذي يقتلع الرذائل من جذورها بل لا يدع لها موضعًا تنبت فيه.
المناهج الثلاثة في تربية النفس
6الجواب: اختيار الإنسان هو واحد من الأسباب وليس السبب الوحيد وعلى الإنسان أن يقوم بما عليه
قلت: قد ذكرنا في البحث عن القضاء۱، ما يتّضح به الجواب عن هذا الإشكال، فقد ذكرنا ثَمَّ أنّ الأفعال الإنسانيّة من أجزاء علل الحوادث، و من المعلوم أنّ المعاليل و المسبّبات يتوقّف وجودها على وجود أسبابها و أجزاء أسبابها، فقول القائل: "إنّ الشبع إما مقضيّ الوجود، و إما مقضيّ العدم، وعلى كلّ حال فلا تأثير للأكل"، غلط فاحش؛ فإنّ الشبع فرضُ تحقّقه في الخارج لا يستقيم إلا بعد فرض تحقّق الأكل الاختياريّ الذي هو أحد أجزاء علله، فمن الخطإ أن يفرض الإنسان معلولاً من المعاليل، ثمّ يحكمَ بإلغاء علله أو شيء من أجزاء علله.
فغير جائز أن يبطل الإنسان حكم الاختيار الذي عليه مدار حياته الدنيويّة، و إليه تنتسب سعادته وشقاؤه، و هو أحد أجزاء علل الحوادث التي تلحق وجوده من أفعاله أو الأحوال و الملكات الحاصلة من أفعاله، غير أنّه كما لا يجوز له إخراج إرادته و اختياره من زمرة العلل، و إبطال حكمه في التأثير، كذلك لا يجوز له أن يحكم بكون اختياره سببًا وحيدًا و علّة تامة إليها تستند الحوادث، من غير أن يشاركه شيء آخر من أجزاء العالم و العلل الموجودة فيه التي في رأسها الإرادة الإلهيّة، فإنّه يتفرع عليه كثير من الصفات المذمومة: كالعجب و الكبر و البخل و الفرح و الأسى و الغمّ و نحو ذلك.
يقول الجاهل: أنا الذي فعلت كذا و تركت كذا فيعجب بنفسه أو يستكبر على غيره أو يبخل بماله و هو جاهل بأنّ بقيّة الأسباب الخارجة عن اختياره الناقص ـ و هي ألوف و ألوف ـ لو لم تُمهِّد له الأمرَ لم يسدِ اختياره شيئًا، و لا أغنى عن شيء.
يقول الجاهل: لو أنّي فعلت كذا لما تضرّرت بكذا، أو لما فات عنّي كذا، و هو جاهل بأنّ هذا الفوت أو الموت يستند عدمه أعني الربح أو العافية، أو الحياة إلى ألوف و ألوف من العلل يكفي في انعدامها أعني في تحقّق الفوات أو الموت انعدام واحد منها، و إن كان اختياره موجودًا، على أنّ نفس اختيار الإنسان مستند إلى علل كثيرة خارجة عن اختيار الإنسان، فالاختيار لا يكون بالاختيار.
- راجع: الميزان ج۱ ص ٩٣ ـ ۱۱۰، والبحث المنتخب تحت عنوان: الجبر والاختيار والأمر بين الأمرين
