
المناهج الثلاثة في تربية النفس
منهج القرآن في التربية الأخلاقيّة
ما السرّ الذي يجعل “الأخلاق القرآنية” فريدةً من نوعها، وليست مجرّد تكرار لتعاليم الفلاسفة أو الأديان السابقة كما يزعم بعض المستشرقين؟ ما المنهجان الأساسيّان لتهذيب النفس في المدارس البشرية وشرائع الأنبياء السابقين؟ كيف يحرّر منهج التوحيد الخالص والمحبّة الإلهية روح الإنسان، ويغسل قلبه من الخوف والطمع والرياء؟ يجيب العلاّمة الطباطبائي عن هذه الأسئلة الدقيقة مبيّنًا المنهج الأخلاقيّ الخاصّ الذي ابتكره القرآن الكريم والذي يقتلع الرذائل من جذورها بل لا يدع لها موضعًا تنبت فيه.
المناهج الثلاثة في تربية النفس
5٢ـ التهذيب بالغايات الأخرويّة
المسلك الثاني: الغايات الأخرويّة، و قد كثر ذكرها في كلامه تعالى كقوله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَ أَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾۱، و قوله تعالى: ﴿إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾٢، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾٣، و قوله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ﴾٤، و أمثالها كثيرة على اختلاف فنونها.
التهذيب بواسطة الاعتقاد بالقضاء والقدر
و يلحق بهذا القسم نوع آخر من الآيات كقوله تعالى: ﴿ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَ لا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ فإنّ الآية دعت إلى ترك الأسى و الفرح بأنّ الذي أصابكم ما كان ليخطئكم و ما أخطأكم ما كان ليصيبكم لاستناد الحوادث إلى قضاء مقضيّ و قدر مقدّر، فالأسى و الفرح لغو لا ينبغي صدوره من مؤمن يؤمن بالله الذي بيده أزمّة الأمور، كما يشير إليه قوله تعالى: ﴿ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَ مَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾.
فهذا القسم من الآيات أيضًا نظير القسم السابق الذي يتسبّب فيه إلى إصلاح الأخلاق بالغايات الشريفة الأخرويّة، و هي كمالات حقيقيّة غير ظنيّة يتسبّب فيها إلى إصلاح الأخلاق بالمبادئ السابقة الحقيقيّة من القدر و القضاء و التخلّق بأخلاق الله و التذكّر بأسماء الله الحسنى و صفاته العليا و نحو ذلك.
شبهة: إن كان الاعتقاد بالقضاء والقدر مؤثّرًا فسيؤدّي إلى الإهمال في كلّ شيء بما في ذلك التهذيب
فإن قلت: التسبب بمثل القضاء و القدر يوجب بطلان أحكام هذه النشأة الاختيارية، و في ذلك بطلان الأخلاق الفاضلة، و اختلال نظام هذه النشأة الطبيعية، فإنّه لو جاز الاستناد في إصلاح صفة الصبر والثبات و ترك الفرح و الأسى ـ كما استفيد من الآية السابقة ـ إلى كون الحوادث مكتوبة في لوح محفوظ، ومقضيّة بقضاء محتوم، أمكن الاستناد إلى ذلك في ترك طلب الرزق، و كسب كلّ كمال مطلوب، والاتّقاء عن كلّ رذيلة خلقيّة و غير ذلك، فيجوز حينئذ أن نقعد عن طلب الرزق، و الدفاع عن الحقّ، و نحو ذلك بأنّ الذي سيقع منه مقضيّ مكتوب، و كذا يجوز أن نترك السعي في كسب كلّ كمال، و ترك كلّ نقص بالاستناد التي حتم القضاء و حقيقة الكتاب، و في ذلك بطلان كلّ كمال.
- سورة التوبة، الآية ۱۱۱.
- سورة الزمر، الآية ۱۰.
- سورة إبراهيم، الآية ٢٢.
- سورة البقرة، الآية ٢٥۷
