
المناهج الثلاثة في تربية النفس
منهج القرآن في التربية الأخلاقيّة
ما السرّ الذي يجعل “الأخلاق القرآنية” فريدةً من نوعها، وليست مجرّد تكرار لتعاليم الفلاسفة أو الأديان السابقة كما يزعم بعض المستشرقين؟ ما المنهجان الأساسيّان لتهذيب النفس في المدارس البشرية وشرائع الأنبياء السابقين؟ كيف يحرّر منهج التوحيد الخالص والمحبّة الإلهية روح الإنسان، ويغسل قلبه من الخوف والطمع والرياء؟ يجيب العلاّمة الطباطبائي عن هذه الأسئلة الدقيقة مبيّنًا المنهج الأخلاقيّ الخاصّ الذي ابتكره القرآن الكريم والذي يقتلع الرذائل من جذورها بل لا يدع لها موضعًا تنبت فيه.
المناهج الثلاثة في تربية النفس
4ما هما المنهجان المشهوران لتهذيب الأخلاق؟
إذا عرفت ما ذكرناه علمت أنّ الطريق إلى تهذيب الأخلاق و اكتساب الفاضلة منها أحد مسلكين:
۱ـ التهذيب بواسطة الغايات الدنيويّة
المسلك الأول: تهذيبها بالغايات الصالحة الدنيويّة، و العلوم و الآراء المحمودة عند الناس كما يقال: إنّ العفّة و قناعة الإنسان بما عنده و الكفّ عمّا عند الناس توجب العزّة و العظمة في أعين الناس و الجاه عند العامة، و إنّ الشره يوجب الخصاصة و الفقر، و إنّ الطمع يوجب ذلّة النفس المنيعة، و إنّ العلم يوجب إقبال العامّة، و العزّة و الوجاهة و الأنس عند الخاصّة، و إنّ العلم بصرٌ يتّقي به الإنسان كلّ مكروه، و يدرك كلّ محبوب، و إنّ الجهل عمى، و إنّ العلم يحفظك و أنت تحفظ المال، و إنّ الشجاعة ثبات يمنع النفس عن التلوّن و الحمدَ من الناس على أيّ تقدير سواء غلب الإنسان أو غلب عليه، بخلاف الجبن و التهوّر، و إنّ العدالة راحة النفس عن الهمم المؤذية، و هي الحياة بعد الموت ببقاء الاسم و حسن الذكر۱ و جميل الثناء و المحبّة في القلوب.
و هذا هو المسلك المعهود الذي رتب عليه علم الأخلاق، و المأثور من بحث الأقدمين من يونان وغيرهم فيه.
و لم يستعمل القرآن هذا المسلك الذي بناؤه على انتخاب الممدوح عند عامّة الناس عن المذموم عندهم، و الأخذ بما يستحسنه الاجتماع و ترك ما يستقبحه، نعم ربما جرى عليه كلامه تعالى فيما يرجع بالحقيقة إلى ثواب أخرويّ أو عقاب أخرويّ كقوله تعالى: ﴿وَ حَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾٢ دعا سبحانه إلى العزم والثبات، و علّله بقوله: لئلاّ يكون، و كقوله تعالى: ﴿وَ لا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَ تَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَ اصْبِرُوا﴾٣، دعا سبحانه إلى الصبر و علّله بأنّ تركه و إيجاد النزاع يوجب الفشل و ذهاب الريح و جرأة العدوّ، وقوله تعالى: ﴿وَ لَمَنْ صَبَرَ وَ غَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾٤، دعا إلى الصبر و العفو، و علّله بالعزم والإعظام.
- راجع حول هذا الموضوع أيضًا: تفسير الميزان، ج۱ ص ـ ٤٢٢ ـ ٤٢٤. تحت عنوان التقليد والخرافة. والبحث المنتخب تحت عنوان: ثلاث خرافات في الحضارة المعاصرة.
- سورة البقرة، الآية ۱٥۰.
- سورة الأنفال، الآية ٤٦.
- سورة الشورى، الآية ٤٣.
