
المناهج الثلاثة في تربية النفس
منهج القرآن في التربية الأخلاقيّة
ما السرّ الذي يجعل “الأخلاق القرآنية” فريدةً من نوعها، وليست مجرّد تكرار لتعاليم الفلاسفة أو الأديان السابقة كما يزعم بعض المستشرقين؟ ما المنهجان الأساسيّان لتهذيب النفس في المدارس البشرية وشرائع الأنبياء السابقين؟ كيف يحرّر منهج التوحيد الخالص والمحبّة الإلهية روح الإنسان، ويغسل قلبه من الخوف والطمع والرياء؟ يجيب العلاّمة الطباطبائي عن هذه الأسئلة الدقيقة مبيّنًا المنهج الأخلاقيّ الخاصّ الذي ابتكره القرآن الكريم والذي يقتلع الرذائل من جذورها بل لا يدع لها موضعًا تنبت فيه.
المناهج الثلاثة في تربية النفس
3و قد أخبر سبحانه: أنّ الأشياء ستعود إلى حالها قبل الإذن و لا يبقى ملك إلا للّه وحده، قال تعالى: ﴿لِمَنِ اَلْمُلْكُ اَلْيَوْمَ. لِلَّهِ اَلْوَاحِدِ اَلْقَهَّارِ﴾۱، و فيه رجوع الإنسان بجميع ما له و معه إلى الله سبحانه.
فهناك ملك حقيقيّ هو للّه سبحانه لا شريك له فيه، لا الإنسان و لا غيره، و ملك ظاهريّ صوريّ كملك الإنسان نفسه و ولده و ماله و غير ذلك و هو للّه سبحانه حقيقة، و للإنسان بتمليكه تعالى في الظاهر مجازًا، فإذا تذكّر الإنسان حقيقة ملكه تعالى، و نسبه إلى نفسه فوجد نفسه ملكًا طلقًا لربّه، و تذكّر أيضًا أنّ الملك الظاهريّ فيما بين الإنسان ـ و من جملته ملك نفسه لنفسه و ماله و ولده ـ سيبطل فيعود راجعًا إلى ربّه وجد أنه بالآخرة لا يملك شيئًا أصلاً لا حقيقة و لا مجازًا، و إذا كان كذلك لم يكن معنى للتأثّر عن المصائب الموجبة للتأثّر عند إصابتها، فإنّ التأثّر إنّما يكون من جهة فقد الإنسان شيئًا ممّا يملكه، حتّى يفرح بوجدانه، و يحزن بفقدانه، و أمّا إذا أذعن و اعتقد أنّه لا يملك شيئًا لم يتأثّر و لم يحزن، و كيف يتأثّر من يؤمن بأنّ الله له الملك وحده يتصرّف في ملكه كيف يشاء؟!
كيف تصلح الأخلاق بصورة عامّة؟
اعلم أنّ إصلاح أخلاق النفس و ملكاتها في جانبي العلم و العمل، و اكتساب الأخلاق الفاضلة، وإزالة الأخلاق الرذيلة، إنّما هو بتكرار الأعمال الصالحة المناسبة لها و مزاولتها، و المداومة عليها، حتّى تثبت في النفس من الموارد الجزئيّة علوم جزئيّة، و تتراكم و تنتقش في النفس انتقاشًا متعذّر الزوال أو متعسّرها.
مثلاً إذا أراد الإنسان إزالة صفة الجبن و اقتناء ملكة الشجاعة كان عليه أن يكرّر الورود في الشدائد والمهاول التي تزلزل القلوب و تقلقل الأحشاء، و كلّما ورد في مورد منها و شاهد أنّه كان يمكنه الورود فيه و أدرك لذّة الإقدام و شناعة الفرار و التحذّر، انتقشت نفسه بذلك انتقاشًا بعد انتقاش حتّى تثبت فيها ملكة الشجاعة. و حصول هذه الملكة العلميّة و إن لم يكن في نفسه بالاختيار، لكنّه بالمقدّمات الموصلة إليه كما عرفت اختياريّ كسبيّ.
- سورة المؤمن (غافر)، الآية ١٦.
