
المناهج الثلاثة في تربية النفس
منهج القرآن في التربية الأخلاقيّة
ما السرّ الذي يجعل “الأخلاق القرآنية” فريدةً من نوعها، وليست مجرّد تكرار لتعاليم الفلاسفة أو الأديان السابقة كما يزعم بعض المستشرقين؟ ما المنهجان الأساسيّان لتهذيب النفس في المدارس البشرية وشرائع الأنبياء السابقين؟ كيف يحرّر منهج التوحيد الخالص والمحبّة الإلهية روح الإنسان، ويغسل قلبه من الخوف والطمع والرياء؟ يجيب العلاّمة الطباطبائي عن هذه الأسئلة الدقيقة مبيّنًا المنهج الأخلاقيّ الخاصّ الذي ابتكره القرآن الكريم والذي يقتلع الرذائل من جذورها بل لا يدع لها موضعًا تنبت فيه.
المناهج الثلاثة في تربية النفس
2بسم الله الرّحمن الرّحيم
و به نستعين
و الصّلوة و السّلام على سيّدنا و نبيّنا محمّد
و على آله الطيّبين الطّاهرين
و لعنة الله على أعدائهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدّين
تفسير العلاّمة الطباطبائي لآية إنّا لله وإنّا إليه راجعون
قوله تعالى: ﴿وَ بَشِّرِ اَلصَّابِرِينَ اَلَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾۱، أعاد ذكر الصابرين٢ ليبشّرهم أوّلاً، و يبيّن كيفيّة الصبر بتعليم ما هو الصبر الجميل ثانيًا، و يظهر به حقّ الأمر الذي يقضي بوجوب الصبر ـ و هو ملكه تعالى للإنسان ـ ثالثًا، و يبيّن جزاءه العام ـ و هو الصلاة و الرحمة والاهتداء ـ رابعًا.
فأمر تعالى نبيّه أوّلاً بتبشيرهم، و لم يذكر متعلّق البشارة لتفخيم أمره فإنّها من الله سبحانه فلا تكون إلا خيرًا و جميلاً، و قد ضمِنها ربّ العزة، ثمّ بيّن أنّ الصابرين هم الذين يقولون: كذا و كذا عند إصابة المصيبة، و هي الواقعة التي تصيب الإنسان، و لا يستعمل لفظ المصيبة إلا في النازلة المكروهة، و من المعلوم أن ليس المراد بالقول مجرّد التلفّظ بالجملة من غير حضور معناها بالبال، و لا مجرّد الإخطار من غير تحقّق بحقيقة معناها، و هي أنّ الإنسان مملوك للّه بحقيقة الملك، و أنّ مرجعه إلى الله سبحانه و به يتحقّق أحسن الصبر الذي يقطع منابت الجزع و الأسف، و يغسل رين الغفلة.
بيانه أنّ وجود الإنسان و جميع ما يتبع وجوده، من قواه و أفعاله قائم الذات بالله الذي هو فاطره و موجده فهو قائم به مفتقر و مستند إليه في جميع أحواله من حدوث و بقاء غير مستقل دونه، فلربّه التصرّف فيه كيف شاء، و ليس للإنسان من الأمر شيء إذ لا استقلال له بوجه أصلاً، فله الملك في وجوده و قواه وأفعاله حقيقة.
ثمّ إنّه تعالى ملّكه بالإذن نسبة ذاته، و من هناك يقال: للإنسان وجود، و كذا نسبة قواه و أفعاله، و من هناك يقال: للإنسان قوى كالسمع و البصر، و يقال: للإنسان أفعال كالمشي و النطق، و الأكل و الشرب، و لولا الإذن الإلهيّ لم يملك الإنسان و لا غيره من المخلوقات نسبة من هذه النسب الظاهرة، لعدم استقلال في وجودها من دون الله أصلاً.
- سورة البقرة، مقطع من الآية ۱٥٥ والآية ۱٥٦.
- كان قد ذكر في الآية ۱٥٣: ﴿يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا اسْتَعينُوا بِالصَّبْرِ وَ الصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرينَ﴾
