
لماذا امتنع مسلم بن عقيل عن اغتيال ابن زياد؟
هل كانت واقعة عاشوراء مجرّد صدفة تاريخيّة أم برنامجاً إلهيّاً دقيقاً؟ لماذا رفض مسلم بن عقيل قتل ابن زياد غيلةً في بيت هاني بن عروة رغم قدرته على حسم المعركة وتجنّب الفاجعة؟ وهل تبرّر الغايات النبيلة استخدام الوسائل غير المشروعة في مدرسة أهل البيت؟ تجيبك هذه المقالة عن هذه الأسئلة، مبيّنةً كيف انتصرت القيم النبويّة على الحسابات العسكريّة المجرّدة.
لماذا امتنع مسلم بن عقيل عن اغتيال ابن زياد؟
5أم أنَّ هدف مولاي شيء آخر؟ ذلك المولى الذي أنا نائبه وسفيره وممثّله، ويتوجّب عليَّ القيام بالعمل الذي يعكس سيرته ويتماشى مع نهجه، فما هو هدفه؟ إنّ هدفه هو إحياء القيم الإنسانية العليا، والقيم الربوبية والإلهية، وإراءة تلك الحقائق الإلهية إلى أولئك الذين لا يعلمون عنها شيئاً، حيث لم تصل إلى مسامعهم، وهدفه والغرض الذي يسعى إليه هو إعداد النفوس وتربيتها، وتكميلها، والسير بها نحو ذلك المبدأ الأعلى، والعبور بها عن عوالم النفس والتعلّقات الدنيوية، وإخراجها من أوهامها وتخيّلاتها الحيوانية والشيطانيّة؛ هذا هو الهدف والمقصد الذي يبتغيه مولاي.
ومن هنا، فإن قمتُ الآن بقتل هذا الرجل الذي جاء إلى هذا البيت لأجل عيادة مريض ـ وكائناً من يكون هذا الرجل ـ والذي ليس لديه أيّ علم مسبق بما قد خُطّط له، سيتعارض هذا العمل بحدّ ذاته مع تلك الأهداف السامية التي يبتغيها مولاي، وأنا لا أستطيع أن أتحمّل مسؤولية مثل هذا الأمر!
يعني عندما كان حضرة مسلم يستعرض جميع هذه المواضيع في ذهنه ويراجعها في ضميره، فقد كان يمرّ في ذهنه على القضايا التي ستحصل في كربلاء، ويمرّ على شهادة سيِّد الشهداء وغيرها من الأمور الفجيعة التي ستحصل إن لم يقدم على قتل ابن زياد فيضعها جميعاً في كفّة ميزان، ثمّ يضع في الكفّة الأخرى قتل رجلٍ غيلةً بدون علم مسبق منه، ويزيح هذا المانع من طريقه، فهو عندما يوازن بين الأمرين، يرى بأنَّ هذه الكفّة لا يمكن لها أن ترجح على الكفّة الأخرى، ويرى عدم قدرته على القيام بذلك العمل.
إنَّ هذه هي واحدة من تلك القضايا التي حصلت في الواقعة، وهنا نرى أنّه ينبغي لنا أن نرفع من مستوى تفكيرنا بشأن ما حصل في واقعة عاشوراء ونتوجّه إلى ما هو أعلى من مجرد التفكير في أمر المصائب التي وقعت في يوم عاشوراء؛ يعني ينبغي لتلك المصائب التي حصلت أن تعمل على تحريكنا وتدفعنا للسير نحو تلك الأهداف التي كان سيِّد الشهداء يسعى لتحقيقها، وأن تكون حركتنا على أساس تلك الأهداف السامية.۱
- محاضرة عنوان البصري ج٢٢۸ ص ٦ـ ۸.
