
عاشوراء بين العقلانيّة والمشاعر
العرفاء وعاشوراء
هل ينفي العرفاء التوسّل بأهل البيت عليهم السلام أم يرونه جسرًا للالتحاق بمقام معرفة الله والتوحيد الخالص؟ هل مجالس العزاء مجرّد محطّة للتفريغ العاطفي، أم مدرسة كبرى للتعقّل والتحرّر من قيود النفس والتقليد الأعمى؟ وكيف يمكن للعقل أن يكون دليلاً نحو الفناء في المعشوق لا عائقاً عن حقيقة الولاية؟ وأخيرً ما أثر المجلس الحسيني، وكيف نخرج منه بتغيير جوهريّ في فكرنا وروحيّتنا؟ للبحث عن إجابات هذه التساؤلات الدقيقة، نقرأ معاً في هذه المقالة المستلّة من كتاب “أسرار الملكوت”…
عاشوراء بين العقلانيّة والمشاعر
6يقول زيد الشحّام:
«كُنّا عند أبي عبد الله عليه السلام ونحن جماعة من الكوفيّين، فدخل جعفر ابن عفان على أبي عبد الله عليه السلام فقرّبه وأدناه ثمّ قال: يا جعفر! قال: لبيك جعلني الله فداك!
قال: بلغني أنّك تقول الشعر في الحسين وتجيد.
فقال له: نعم جعلني الله فداك.
قال: قُل!
فأنشده صلى الله عليه فبكى عليه السلام ومن حوله حتّى صارت الدموع على وجهه ولحيته.
ثمّ قال: يا جعفر والله لقد شهدتُ ملائكة الله المقرّبين ههنا يسمعون قولك في الحسين عليه السلام، ولقد بكوا كما بكينا وأكثر. ولقد أوجب الله تعالى لك يا جعفر في ساعته الجنّة بأسرها، وغفر الله لك.
ثمّ قال عليه السلام: ألا أزيدك؟
قال: نعم يا سيّدي.
قال: ما من أحدٍ قال في الحسين شعرًا فبكى وأبكى به إلّا أوجب الله له الجنّة وغفر له»۱
سبب تأكيد الأئمّة عليهم السلام على إقامة مجالس العزاء
إنّ السبب في هذا الإصرار والعِلّة الكامنة وراء هذا التأكيد على إقامة مجالس العزاء هو أنّ الرحمة الإلهيّة تتنزّل بواسطة ذكر سيّد الشهداء على المجلس وعلى الأشخاص الحاضرين فيه، كما أنّ الملائكة تحضر في ذلك المحفل، وحضور الملائكة موجبٌ لاستجلاب الفيض والنور والرحمة الإلهيّة، فيضع الإنسان نفسه في حريم الولاية و يجعل نفسه تحت إشراف نفس الإمام عليه السلام؛ ومن هنا، يجب على الإنسان أن يعرف قدر هذه الموقعيّة، فلا يضيّع هذه الفرصة دون مقابل، وأن يسعى بجهده ليضع نفسه واقعًا في هذا المسير والمنهاج، وأن يقترب بشكلٍ أكبر من هذا الحرم والحريم و يدنو من مسير هذا الإمام وطريقه، ويحرص أن تكون مسيرة حياته قائمةً على أساس سيرة هذا الإمام ومنهجه.
وخلاصة الأمر ولبّ الكلام هي أنّ على الإنسان عندما يخرج من مجلس العزاء أن يبني على أنّه قد خرج مختلفًا عمّا كان عليه قبل دخوله وأنّه أضحى إنسانًا آخر، وأن يرى أنّ الوجود الباقي للإمام عليه السلام قد رافقه، وأن يعاهد الإمامَ على أن يحفظ وجوده إلى جانبه، و أن يرعى ذلك حقّ رعايته، وعليه أن يرى نفسه إلى جانب الإمام عليه السلام في خيمته وتحت إشرافه ونظره وأن يستشعر معيّته دائماً. حينئذٍ، يصير هذا المجلس نفس ذلك المجلس الذي قصده الإمام الصادق عليه السلام، وحينئذٍ سوف يمنح الله تعالى لهذا الشخص ما بشر به من الثواب والأجر، وإلّا فإن كان المقصود هو الحضور فقط ومجرّد الاستماع والإحساس والبكاء، ثمّ الخروج والاستمرار بأداء تلك الأعمال نفسها التي كان يقوم بها قبل أن يشارك في هذا المجلس، دون أن يشعر بأيّ أثرٍ لهذا المجلس في نفسه وفكره وعقله وروحه، ودون أن يطوّر نفسه ويصقلها، فلن يحصل هذا الشخص على الثمرة المرجوّة من المجلس، إذ العزاء بهذا الشكل سيكون عزاء تكراريّاً وعادةً ممزوجةً باللذائذ النفسانيّة لا الروحيّة.٢
- رجال الكشّي، ص ٢۸٩؛ بحار الأنوار، ج ٤٤، ص ٢۸٢.
- أسرار الملكوت ج۲، ص. ۱٩۸ـ ٢۰٤.
