
عاشوراء بين العقلانيّة والمشاعر
العرفاء وعاشوراء
هل ينفي العرفاء التوسّل بأهل البيت عليهم السلام أم يرونه جسرًا للالتحاق بمقام معرفة الله والتوحيد الخالص؟ هل مجالس العزاء مجرّد محطّة للتفريغ العاطفي، أم مدرسة كبرى للتعقّل والتحرّر من قيود النفس والتقليد الأعمى؟ وكيف يمكن للعقل أن يكون دليلاً نحو الفناء في المعشوق لا عائقاً عن حقيقة الولاية؟ وأخيرً ما أثر المجلس الحسيني، وكيف نخرج منه بتغيير جوهريّ في فكرنا وروحيّتنا؟ للبحث عن إجابات هذه التساؤلات الدقيقة، نقرأ معاً في هذه المقالة المستلّة من كتاب “أسرار الملكوت”…
عاشوراء بين العقلانيّة والمشاعر
2بسم الله الرّحمن الرّحيم
و به نستعين
و الصّلوة و السّلام على سيّدنا و نبيّنا محمّد
و على آله الطيّبين الطّاهرين
و لعنة الله على أعدائهم أجمعين
من الآن إلى قيام يوم الدّين
[بحث سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهراني رضوان الله عليه في كتابه أسرار الملكوت ج٢ خصوصيّات وليّ الله الكامل وكانت الخصوصيّة الأولى منها: الإشراف الكامل للعارف الواصل على مشاهداته، والخصوصيّة الثانية أنّ كلامه يتمحور حول التوحيد ولا يتنازل عنه، وفي هذا السياق تعرّض لنظرة العرفاء إلى ولاية الأئمّة المعصومين عليهم السلام وطبيعة علاقتهم بهم والتوسّل بهم وكيفيّة إحياء مجالسهم وخصوصًا مجالس الإمام الحسين عليه السلام، وقد تقدّم في المقالتين السابقتين أنّ نظرتهم إليهم مرآتيّة لا استقلاليّة، وأنّهم لا يطلبون منهم إلا مقام الولاية ومعرفة الله، وأنّ التوسّل بهم هو للالتحاق بهم في مقام معرفتهم وتوحيدهم الخالص، لا لطلب حوائج الدنيا، وأنّ البكاء هو في الحقيقة بكاء الشوق إلى ذلك، وأنّهم كانوا شديدي الاهتمام بإقامة مجالس العزاء في سبيل ذلك، لا من أجل البكاء واللطم والصراخ، وفي هذا السياق يتابع سماحة السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهراني كلامه رادًّا على من يتّهمهم بعدم الاهتمام بالتوسّل بالأئمّة:]
الإجحاف في اتّهام العرفاء بعدم التوسّل بالأئمّة
ثمّ بعد كلّ هذا، أليس من الإجحاف وعدم الإنصاف أن نُشكل على العرفاء، ونقول: إنّهم قليلًا ما يتوسّلون بالذوات المقدّسة للأئمّة المعصومين عليهم السلام، وأنّ أكثر أوقاتهم يُصرف في الحديث عن التوحيد؟! إذا لم يكن هذا الذي يقومون به توسّلًا فأين هو التوسّل إذن؟!
نعم، هؤلاء الأعاظم لا يتوسّلون لقضاء حاجاتهم الدنيويّة، ولا ينثرون دموعهم لغلبة إحساساتهم وعواطفهم مثلما يفعل العوامّ، كما أنّهم لا يطلبون الإمام عليه السلام للأمور الدنيويّة، ولا يعتبرون أنّ التوسّل منحصرٌ فقط في إقامة المجالس المتكرّرة والتي تحوّلت إلى عادةٍ انطبع عليها الناس، ولا يرون أنّ مجرّد البكاء على سيّد الشهداء موجبٌ للقرب إلى الحقّ وتجرّد النفس واكتساب الفضائل المعنويّة.
أهداف العرفاء من إقامة المجالس الحسينيّة
بل إنّ هذه الطائفة يقيمون مجالس العزاء لأهل البيت عليهم السلام لتهيئة الأرضيّة المناسبة لإظهار مدرسة هؤلاء العظماء صلوات الله عليهم وإبراز طريقتهم وإيضاح ممشاهم والكشف عن هدفهم؛ فهم يبحثون في هذه المجالس عن المدرسة التوحيديّة للأئمّة المعصومين عليهم السلام وطريقتها، ويستفيدون من الأحداث والقضايا التي جرت على هؤلاء الطاهرين درسًا وعبرةً، ويتّخذونهم أسوةً في العبور عن عقبات النفس الأمّارة وارتقاء القوى العقلانيّة والروحيّة وتزكية النفس وتهذيبها، ويوضّحون للآخرين الطريق الصحيح لهؤلاء العظماء، ويشرحون لهم منهجهم القويم، فضلًا عن أنّهم يبيّنون كيفيّة طريق أولياء الله في علاقتهم بالأحداث والظواهر المختلفة التي يواجهونها في حياتهم، كما يجري الكلام في هذه المجالس عن أسّ الحياة المعنويّة وأساسها، تلك الحياة التي تبلورت في مسيرة أولياء الحقّ وحياتهم، وتُوَضّح في هذه الجلسات الغايةَ والهدف من أيّة حركةٍ أو سكونٍ جرت في حياة الأئمّة المعصومين عليهم السلام.
