
العرفاء بين التوحيد والولاية
خطأ النظرة الاستقلاليّة إلى الإمام ومجالسه
كيف ينظر العرفاء إلى توحيد الله وإلى ولاية الأئمّة عليهم السلام؟ وبماذا تختلف نظرتهم عن نظرة غيرهم؟ لماذا نُحجّم نحن أعظم التجلّيات الإلهيّة، ونُنزّل “الأئمّة” من مقامهم كأدلّاء على الله إلى مجرّد وسائل لحلّ مشاكلنا اليوميّة وتيسير معاملاتنا؟ وما هو ذلك المقام الأسمى الذي يقف دونه الملاك جبرائيل، بينما يرفض “العارف الكامل” التنازل عنه قيد أنملة؟ تغوص هذه المقالة في لُبّ “التوحيد الخالص”، لتبيّن الفارق الجوهريّ بين النظرة الاستقلاليّة الخاطئة إلى الأئمّة، والنظرة “المرآتيّة” العميقة التي لا ترى فيهم سوى انعكاسٍ تام للإرادة الإلهيّة، ولا غاية تُقصد منهم سوى الله ذاته!
العرفاء بين التوحيد والولاية
8لذا نقرأ في الزيارة الجامعة:
«السلامُ على محالِّ معرفة الله، ومساكن بركة الله، ومعادن حكمة الله، وحفظة سرّ الله، وحملة كتاب الله، وأوصياء نبيّ الله، وذرّية رسول الله صلّى الله عليه وآله ورحمة الله وبركاته، السلام على الدعاة إلى الله، والأدلّاء على مرضات الله، والمستقرّين في أمر الله، والتامّين في محبّة الله، والمخلصين في توحيد الله، والمظهرين لأمر الله ونهيه، وعباده المكرمين، الذين لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون، ورحمة الله وبركاته»۱.
تتضّح من هذه الفقرات الشريفة الحقيقة الوجوديّة للأئمّة المعصومين عليهم السلام جيّدًا، فالأئمّة عليهم السلام واسطةٌ في فيض الوجود وتربية النفوس، وهم الذين يسوقون الناس نحو الكمال المختصّ بهم، وهم المُجْرون للإرادة الإلهيّة الحتميّة في عالم الإمكان، فهم لا يسبقون حكم الله أو يتعدّون قضاءه، ولا ينقصون أو يزيدون شيئًا من تلقاء أنفسهم؛ إلى أن يقول:
«وأنّ أرواحكم ونوركم وطينتكم واحدةٌ، طابت وطهرت بعضها من بعض، خلقكم الله أنوارًا فجعلكم بعرشه محدقين، حتّى مَنّ علينا بكم (وخلقكم في عالم النفس ودنيا المادّة) فجعلكم في بيوت أذن الله أن تُرفع (وتسمو درجاتها وتعلو مرتبة كرامتها) ويُذكر فيها اسمه (كأفضل ما ذُكِر، ففي تلك المنازل يصِل الذكر إلى أعلى مراتبه الوجوديّة، بحيث لا يتصوّر مرتبةٌ أعلى منها، ويُحرز شأن وحيثيّة حضرة الحقّ في أسمى موقع لها. والحقّ أنّ هذه العبارة العجيبة جدًا وهي حاويةٌ على أسرارٍ ورموزٍ)، وجعل صلواتنا عليكم وما خصّنا به من ولايتكم طيبًا لخَلْقِنا، وطهارةً لأنفسنا وتزكيةً لنا، وكفّارةً لذنوبنا، فكُنّا عنده مسلِّمين بفضلكم ومعروفين بتصديقنا إياكم»٢.
لقد بيّنت هذه الفقرات جميع خصائص حقيقة الولاية المطلقة و مميّزاتها التي تتجلّى وتظهر من النفوس القدسيّة للمعصومين عليهم السلام، كما أنّها وضّحت بشكلٍ جليٍّ الاتّحاد العينيّ والمصداقيّ للولاية المطلقة لحضرة الحقّ تعالى مع ولاية هذه الذوات المقدّسة، وبما أنّ ولاية الحقّ ليس لها مِثل أو شبيه ولا تقبل أيّ غيرٍ في محيط تصرّفها، فلا بد أن تكون ولايةُ المعصومين عليهم السلام نفسَ ولاية الله تعالى وعينَها حقيقةً وواقعًا.
وبهذا اللحاظ، يكون نظر العارف إلى الإمام عليه السلام نظرًا آليّاً ومِرآتيّاً لا نظرًا استقلاليّاً، وما يتجلّى في المرآة يعود للّه تعالى و يختصّ به لا إلى شخص الإمام عليه السلام، لأن الإمام عليه السلام ليس لديه شيء من قِبل ذاته، ولا يمكنه أن يدّعي لنفسه شيئًا من هذه الولاية، و من هنا فإنّ هذه الولاية في أيّ مظهرٍ ظهرت وضمن أيّ قالبٍ كانت -سواءً كان ذلك المظهر هو الإمام عليه السلام أم غيره- فهي مملوكةٌ للّه تعالى مختصّةٌ به، وليست مرتبطةً بهذا المظهر.
- من لا يحضرة الفقيه، ج ٢، ص ٦۱۰؛ تهذيب الأحكام، ج ٦، ص ٩٦. وتوجد باختلاف قليل في كتاب عيون أخبار الرضا عليه السلام، الحديث ٢، ص ٢۷٣.
- من لا يحضره الفقيه، ج ٢، ص ٦۱٣؛ تهذيب الأحكام، ج ٦، ص ٩۸؛ عيون أخبار الرضا عليه السلام، ج ٢، ص ٢۷٥.
