
العرفاء بين التوحيد والولاية
خطأ النظرة الاستقلاليّة إلى الإمام ومجالسه
كيف ينظر العرفاء إلى توحيد الله وإلى ولاية الأئمّة عليهم السلام؟ وبماذا تختلف نظرتهم عن نظرة غيرهم؟ لماذا نُحجّم نحن أعظم التجلّيات الإلهيّة، ونُنزّل “الأئمّة” من مقامهم كأدلّاء على الله إلى مجرّد وسائل لحلّ مشاكلنا اليوميّة وتيسير معاملاتنا؟ وما هو ذلك المقام الأسمى الذي يقف دونه الملاك جبرائيل، بينما يرفض “العارف الكامل” التنازل عنه قيد أنملة؟ تغوص هذه المقالة في لُبّ “التوحيد الخالص”، لتبيّن الفارق الجوهريّ بين النظرة الاستقلاليّة الخاطئة إلى الأئمّة، والنظرة “المرآتيّة” العميقة التي لا ترى فيهم سوى انعكاسٍ تام للإرادة الإلهيّة، ولا غاية تُقصد منهم سوى الله ذاته!
العرفاء بين التوحيد والولاية
6«الذاتيّ لا يختلف ولا يتخلّف ولا يتغيّر ولا يتبدّل»
وبناءً على هذا الكلام فالعارف -شاء أم أبى- لا يمكنه أن يتحدّث بغير التوحيد، ولا يمكنه أن يسوق الناس إلى غير التوحيد من شؤون عالم الخلق أو أن يوجّههم إلى أيّ ظهورٍ من الظهورات أو مظهرٍ من المظاهر، لا أنّ هذا الفعل منه يحصل من باب التواضع والخضوع مقابل حضرة الحقّ تعالى، فإنّ جميع الناس يمكن لهم ذلك، بل إنّ العارف لا يمكن أن يصدر من ذاته غير هذا الفعل ولا أن يترشّح منه غير هذا الأمر، وهذا ليس تواضعًا بل حكمٌ فطريٌّ وذاتيٌّ جُبل عليه هذا العارف، فهو يرى أنّ جميع موجودات عالم الكون مظاهرُ مختلفةٌ من شؤون الحقّ تعالى وينظر إليها من هذا المنطلق، ويرى أنّ ولاية الإمام المعصوم عليه السلام هي ولاية حضرة الحقّ تعالى ولا يراها منفصلة عنه أبدًا، بل يعتبرها شيئًا واحدًا ذا عينيّةٍ واحدةٍ، كما أنّ نظرته إلى الإمام عليه السلام نظرةٌ مرآتيّةٌ لا نظرةٌ استقلاليّةٌ وموضوعيّةٌ، كما ينظر إليه سائر الأشخاص.
نظرة العارف إلى الإمام نظرةٌ مرآتيّةٌ و دعوته إلى الإمام هي دعوة إلى الله تعالى
إنّ العارف لا ينظر إلى إمام الزمان عليه السلام بعنوان أنّه موجودٌ مستقلٌ عن وجود الحقّ تعالى، بل يرى أنّ حقيقة هذا الإمام هي ظهور التجلّي الأعظم لحضرة الحقّ تعالى، والتجلّي لا يمكن أن يكون متمايزاً ومستقلًا عن المتجلّي.
وعلى هذا الأساس فإنّ دعوة العارف إلى الإمام عليه السلام هي دعوةٌ نحو الله تعالى لا نحو شخص الإمام عليه السلام؛ و ذلك من باب أنّ جعل الإمام عليه السلام محورًا للدعوة والتبليغ بحيث يجعل الله جانبًا هو عين الشرك، والإمام عليه السلام نفسه لا يرضى أبدًا بهذه الدعوة ولا بهذا التبليغ، إنّ الإمام يدعو الجميع نحو الله؛ فكيف يرضى بأن يُدعى الناس إلى نفسه ويساقون نحوه!؟
وبناءً على هذا، فالأشخاص الذين يقيمون المجالس مدّعين بأنّهم من أهل الولاء، ويجعلون محور التوسّل والالتجاء والابتهال فيها على أساس النظرة الاستقلاليّة، لا على أساس نظرةٍ مرآتيّةٍ وآليّةٍ؛ فعليهم أن يعرفوا أنّ مسيرهم هذا وطريقتهم هذه مخالفةٌ تمامًا للمباني والأصول الموضوعة من قبل أولياء الحقّ وأئمّة الهدى صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. إنّ التوسّل بسيّد الشهداء عليه السلام إنّما يكون ممضىً من قبل الإمام ومرضيّاً عنده عندما لا يكون هناك توجّه استقلالي نحوه، وعندما لا نجعل الإمام و أوامره ودستوراته على حدّ سواء مع الله سبحانه وأوامره ودستوراته.
