انقطع الاتصال بالخادم. جارٍ إعادة المحاولة...

يتعذّر إنشاء الاتصال.

تم رفض الاتصال من قبل الخادم.

جارٍ التحميل...
00:00:00
صورة
إضافة للمفضلة

العرفاء بين التوحيد والولاية

خطأ النظرة الاستقلاليّة إلى الإمام ومجالسه

0
العقائد
العقائد

كيف ينظر العرفاء إلى توحيد الله وإلى ولاية الأئمّة عليهم السلام؟ وبماذا تختلف نظرتهم عن نظرة غيرهم؟ لماذا نُحجّم نحن أعظم التجلّيات الإلهيّة، ونُنزّل “الأئمّة” من مقامهم كأدلّاء على الله إلى مجرّد وسائل لحلّ مشاكلنا اليوميّة وتيسير معاملاتنا؟ وما هو ذلك المقام الأسمى الذي يقف دونه الملاك جبرائيل، بينما يرفض “العارف الكامل” التنازل عنه قيد أنملة؟ تغوص هذه المقالة في لُبّ “التوحيد الخالص”، لتبيّن الفارق الجوهريّ بين النظرة الاستقلاليّة الخاطئة إلى الأئمّة، والنظرة “المرآتيّة” العميقة التي لا ترى فيهم سوى انعكاسٍ تام للإرادة الإلهيّة، ولا غاية تُقصد منهم سوى الله ذاته!

العرفاء بين التوحيد والولاية

5
  • ففي خطب‌ «نهج البلاغة» يقول أمير المؤمنين عليه السلام في الخطبة الأولى:

  • «كائنٌ لا عن حدثٍ، موجودٌ لا عن عدمٍ، مع كلِّ شي‌ءٍ لا بمقارنةٍ، وغير كلّ شي‌ءٍ لا بمزايلة»۱.

  • أي إنّ كينونته وتحقّقه ليس مترتّبًا على حدوثٍ، وموجوديّته ليست مسبوقة بالعدم، وهو مع جميع الأشياء لكن معيّته ليست بمعنى المقارنة والمصاحبة، ومفارقٌ لكلّ شي‌ءٍ لكنّ افتراقه عنها ليس بمعنى المباينة ولا بمعنى الفاصلة الوجوديّة والحدود الوجوديّة.

  • يُشير الإمام بوضوحٍ في هذه الخطبة إلى مسألة التوحيد الذاتيّ لحضرة الحقّ تعالى، ويَعتبر أنّ الوجود منحصرٌ في الذات الأحديّة.

  • وجاء نظير ذلك في جوابه عليه السلام لذعلب اليمانيّ حين سأله: هل رأيت ربّك يا أمير المؤمنين؟ فقال له:

  • «لا تدركُهُ العيون بمشاهدةِ العَيَان، ولكن تُدركُه القلوبُ بحقائق الإيمان، قريبٌ من الأشياء غير ملابسٍ، بعيدٌ منها غير مُباينٍ، متكلّمٌ لا برويّةٍ، مريدٌ لا بهمّةٍ، صانعٌ لا بجارحةٍ، لطيفٌ لا يوصف بالخفاء، كبيرٌ لا يوصف بالجفاء، بصيرٌ لا يوصف بالحاسّة، رحيمٌ لا يوصف بالرقّة، تعنو الوجوه لعظمته، وتجلّ القلوب من مخافته»٢.

  • يقول الإمام عليه السلام: إنّ حضرة الحقّ تعالى ذاتٌ لا يراها الناظرون بأنظارهم الظاهريّة، ولكن عين الباطن ورؤية القلب قادرةٌ على رؤيته من خلال حقيقة الإيمان، فهو ذاتٌ قريبٌ دائماً من الأشياء لكن لا بقربٍ مكانيٍّ، وبعيدٌ أيضًا من الأشياء لكن لا ببعدِ انفصالٍ وتباينٍ، متكلّمٌ لكن لا كما يتكلّم البشر، مريدٌ لكن لا بسبب شوقٍ وميلٍ واهتمامٍ بالوصول إلى المقصد، خالقٌ وصانعٌ لكن ليس بأعضاء وجوارح ماديّةٍ، لطيفٌ لكنّ لطفه ليس خفيّاً عن الأنظار، كبيرٌ لكن لا يتعدّى ويتجاوز في عظمته، بصيرٌ لكن ليس بحواسٍّ ظاهريّةٍ، رحيمٌ وعطوفٌ لكن لا من جهة رقّة قلبه وغلبة إحساساته، تخضع لعظمته جميع الوجوه، وتضطرب من الخوف منه جميع القلوب.

  • يوجد في هذه الخطبة أيضًا إشارةٌ إلى حقيقة التوحيد الذاتيّ لحضرة الحقّ تعالى، وكذلك في العديد من الخطب الأخرى، وذِكرها جميعًا يوجب التطويل والخروج عن الموضوع‌٣.

  • فعلى هذا الأساس، كما أنّ الله سبحانه وتعالى جعل كلامه في القرآن الكريم وفي الأحاديث القدسيّة منصبًّا على التوحيد، ولم يتنازل قيد أنملةٍ عن مرتبة التوحيد وشؤوناته إلى آثار غيره في مراتب التعيّن وشؤوناته، ولم يعط أحدًا من مخلوقاته -حتّى الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم- شيئًا من الحيثيّة الاستقلاليّة والوجود المستقلّ ولو كان مقدارًا بسيطاً منه، بل كان -من خلال قهّاريته و بسبب غيرته- يخطف أنفاس كلّ من يتعرّض لكبريائه وجبروته وعظمته وغنائه ولو بمقدار جناح‌ بعوضةٍ، فكما أنّ الله تعالى كذلك، فكذا العارف الكامل ووليّ الله؛ فإنّ حديثه في جميع المجالس والمواعظ وفي جميع كتاباته عبارةٌ عن: التوحيد وشؤونات التوحيد وآثار التوحيد والاتّجاه نحو التوحيد، ولا يتنازل أبدًا عن هذه المرتبة إلى ما دونها من المراتب، لأنّ حيثيّته صارت حيثيّة الحقّ تعالى، وبات وجوده متحوّلًا بوجود الحقّ تعالى، وذاته متذوّتةٌ بذات الحقّ؛ فحينئذٍ كيف يُتصوّر أنّ حضرة الحقّ يمكن أن يتحدّث عمّا سواه، وأن يتكلّم عن الأغيار، أو أن يسوق الناس إلى غيره ويرغّب الناس بمن سواه؟! هذا محالٌ لأنّه كما يُقال:

    1. نهج البلاغة (شرح محمد عبده)، ج ۱، ص ۱٦.
    2. نهج البلاغة (شرح محمد عبده)، ج ٢، ص ٩٩.
    3. أشار العلامة الطهراني رضوان الله عليه إلى اثني عشر نموذجًا من الخطب التوحيديّة لأمير المؤمنين عليه السلام مع توضيحٍ مختصرٍ لها في كتابه «معرفة الإمام»، ج ۱٢ ص ٢٤۷. (م)