
العرفاء بين التوحيد والولاية
خطأ النظرة الاستقلاليّة إلى الإمام ومجالسه
كيف ينظر العرفاء إلى توحيد الله وإلى ولاية الأئمّة عليهم السلام؟ وبماذا تختلف نظرتهم عن نظرة غيرهم؟ لماذا نُحجّم نحن أعظم التجلّيات الإلهيّة، ونُنزّل “الأئمّة” من مقامهم كأدلّاء على الله إلى مجرّد وسائل لحلّ مشاكلنا اليوميّة وتيسير معاملاتنا؟ وما هو ذلك المقام الأسمى الذي يقف دونه الملاك جبرائيل، بينما يرفض “العارف الكامل” التنازل عنه قيد أنملة؟ تغوص هذه المقالة في لُبّ “التوحيد الخالص”، لتبيّن الفارق الجوهريّ بين النظرة الاستقلاليّة الخاطئة إلى الأئمّة، والنظرة “المرآتيّة” العميقة التي لا ترى فيهم سوى انعكاسٍ تام للإرادة الإلهيّة، ولا غاية تُقصد منهم سوى الله ذاته!
العرفاء بين التوحيد والولاية
4التوحيد في القرآن
فمن خلال أدنى تأمّلٍ وتدبّرٍ في الآيات الإلهيّة الكريمة تتضّح هذه المسألة الدقيقة جيّدًا؛ وهي أنّ الله تعالى تقدّست آلاؤه في القرآن المجيد قد حصر حقيقةَ الوجود والاستقلالَ في التحقّق والتعيّن بذاته تعالى، وأنّه عزّت آلاؤه لا يعتبر أيّ أثرٍ من آثار عالم الخلق متمايزًا ومتغايرًا عن آثار ذاته وأفعاله، ولا يرى لأيّ موجودٍ في عالم الوجود نصيبًا في شيء من الوجود غير وجوده وشأنيّته، ويعدُّ جميع الأشياء -سواءً كانت عاليةً أو دانيةً- فقيرةً مقابل ذاته، بل هي فقرٌ محضٌ أمامه، وأمّا الغنى الذاتيّ والاستقلال الوجوديّ، فهو منحصرٌ به تعالى فقط.
يقول تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ وَ اللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾۱.
يخاطب تعالى الناس في هذه الآية قائلًا لهم: اعلموا أنّ الفقر لباسكم ومحيط بكم، وأنّ الغنى ردائي فقط، وعليه فذاتي فقط من بين ذواتكم وسائر الموجودات هي المستوجبة للحمد والثناء.
ويقول عزّ من قائلٍ في سورة الحديد: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَ الْآخِرُ وَ الظَّاهِرُ وَ الْباطِنُ وَ هُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾٢.
يُثبِت الله تعالى في هذه الآية التوحيدَ الذاتيّ لنفسه في عالم الوجود؛ لأنّه أوّل جميع الأشياء، أي أنّه لم يكن أيّ وجودٍ متحقّقًا قبل وجوده، فكلّ وجودٍ ناشئٌ من وجوده ونازلٌ من مرتبة هويّته، وكذلك هو في مرتبةٍ متأخرةٍ عن كلّ وجودٍ (الآخِر)؛ بمعنى أن تشؤّن الوجود بشؤونات مختلفة وتقيّده بقيود متغايرة وتعيّنه بتعيّناتٍ وماهيّاتٍ متفاوتةٍ، لا يستدعي أن يكون ذلك الوجود خارجًا عن حيطة ذات الحقّ تعالى ووجوده، بل إنّ وجود الحقّ تعالى مع بساطته وصرافته، شامل لجميع الوجودات في كلّ مرتبةٍ من مراتب التقيّد والتعيّن -سواءً كانت من المجرّدات أم من المادّيات- فإنّها كلّها مشمولةٌ لوجوده؛ وعليه فليس هناك أيّة ذاتٍ إلّا وهي فانيةٌ في ذاته؛ بمعنى أنّه ليس لها في ذاتها شيءٌ من الوجود الاستقلالي، وهذه هي حقيقة التوحيد الذاتي.
التوحيد في كلمات أهل البيت عليهم السلام
وقد أشير في الآيات الشريفة إلى هذه الحقيقة كرارًا وصُرح بها مرارًا، كما يمكن أن تلاحظ هذه المسألة الدقيقة كثيرًا في كلمات الأئمّة المعصومين والروايات المرويّة عنهم سلام الله عليهم أجمعين.
- سورة فاطر (٣٥)، الآية ۱٤.
- سورة الحديد (٥۷)، الآية ٣.
