
تفسير الميزان ومضة من الغيب وهداية إليه
بين تفسير الميزان وتفسير المنار
ما السرّ وراء خلود تفسير “الميزان” وتجاوز شهرته الآفاق وتفوّقه في العالم العربي؟ لماذا لم يهد العلاّمة الطباطبائي تفسيره إلى روح أبيه؟ ما الفرق بين تفسير الميزان وتفسير المنار في تعاطيه مع موضوع العلوم الطبيعيّة؟ كيف فسّر صاحب المنار مفهوم الجنّ وكيف فسّره صاحب الميزان؟ كيف أعاد الميزان ربط الإنسان بخالقه وبعالم الغيب بعيداً عن ضيق الماديات؟ هذه التساؤلات العميقة يجيب عنها هذا العرض الشامل لمنزلة ومزايا هذا السفر القرآني الخالد بقلم العلاّمة الطهراني رضوان الله عليه.
تفسير الميزان ومضة من الغيب وهداية إليه
6و أمثال هؤلاء الأفراد الذين يقحمون أنفسهم في التفسير بدون أن يمتلكوا معرفة بالمنطق القرآنيّ، فيحاولون تفسير القرآن وفق علومهم و مدركاتهم، ستظهر منهم نظائر هذه المطالب، فيدعون الميكروب شيطاناً و قصص القرآن تمثيلاً؛ و في الحقيقة فإنّهم سيعرضون أساطير و حكايات وهميّة من نسج خيالهم، و حاشا من كلامه العالي، الذي قال عنه: ﴿إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ، وَ إِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾؛۱ أن يسقط إلى هذا الحدّ في المطالب السطحيّة و التخيّلات الوهميّة.
و لو فهم هؤلاء المفسّرون آية واحدة فقط من القرآن: ﴿وَ ما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾، لمّا حاولوا إلى آخر حياتهم أن يتعرّضوا للتفسير و يقتحموا ميدانه. و حين يدرك الإنسان ضحالة علمه، فإنه لن يتعرّض للمطالب القرآنيّة السامية و الراقية التي تقصر الأفكار عن بلوغها، و يسلك طريق البحث والتنقيب إلى آخر عمره ليتّضح الأمر لديه بدرجة كافية؛ لا أن يكرّر على الدوام هذه الصيغة المحفوظة التي استظهرها الجميع: إنّ العلم لايؤيّد هذا الأمر! إنّ التجربة لم تثبت ذلك! إنّ علم وظائف الأحياء وعلوم الحياة لم تفعل كذا و كذا ... إلى آخره. فما علاقة علم وظائف الأعضاء و علوم الحياة بكشف الجنّ و الشيطان، أو برؤية الملائكة؟
إ نّ إدراك هذه الأمور له طريق آخر ما لم يسلكه الإنسان فلا حقّ له في التدخّل و إظهار النظر، و هذا الأمر من الواضحات، إذ إنّ فروع العلوم كثيرة و متشعّبة، و كلّ منها يختصّ بموضوع معيّن، فاستخدام علم وظائف الأعضاء في الورود في علم كشف الحقّائق و المخفيّات بما فيها الموجودات الملكوتيّة الرحمانيّة و الموجودات الجنيّة الشيطانيّة و السعي بتلك الأدوات و الوسائل للعثور على حلول لمسائل هذه العلوم، هو كالوصول إلى تركستان لمن كان يحثّ الخطى قاصداً مكّة!٢
- الآيتان ٣ و ٤، من السورة ٤٣: الزخرف.
- الرد على نظرية قبض وبسط، ص: ۱۷٤ ـ ۱۷٦
