
قانون العليّة وتطور العلم
الاعتقاد بالله والجهل بعلل بعض الظواهر
هل فكرة وجود الإله هي مجرّد فرضيّة ابتكرها الإنسان البدائيّ لتفسير الظواهر الكونيّة التي يجهل أسبابها؟ ماذا لو تطوّر العلم وكشف عن جميع العلل؟ كيف يُثبت الفلاسفة الإلهيّون وجود الخالق مع إقرارهم التام بقانون العليّة الطبيعي؟ وكيف يجمع القرآن الكريم بين نسبة الأفعال إلى أسبابها الطبيعيّة والاختياريّة، وبين نسبتها إلى الله تعالى؟ وما هو الخطأ الذي وقعت فيه الكنيسة في القرون الوسطى وبعض المتكلّمين ممّا مهّد لظهور هذه الشبهة الماديّة؟
قانون العليّة وتطور العلم
6و قد مرّ فيما تقدّم۱ ما يظهر به بطلان هذا التوهّم نقلاً و عقلاً، فالأفعال الاختياريّة كما أنّ لها انتسابًا إلى الله سبحانه على ما يليق به تعالى كذلك نتائجها و هي الأمور الصناعيّة التي يصنعها الإنسان لداعي رفع الحوائج الحيويّة.
على أنّ الأنصاب الواقعة في الآية السابقة هي الأصنام و التماثيل المنصوبة المعبودة التي ذكر الله سبحانه أنّها مخلوقة له في قوله: ﴿وَ اَللَّهُ خَلَقَكُمْ وَ مَا تَعْمَلُونَ﴾، (الآية) و من هاهنا يظهر أنّ فيها جهات مختلفة من النسب ينسب من بعضها إلى الله سبحانه و هي طبيعة وجودها مع قطع النظر عن وصف المعصية المتعلّق بها، فإنّ الصنم ليس بحسب الحقيقة إلا حجرًا أو فلزًّا عليه شكل خاص و ليس فيه ما يوجب نفي انتسابه إلى موجد كلّ شيء، و أما أنّه صنم معبود دون الله سبحانه فهذه هي الجهة التي يجب نفيها عنه تعالى و نسبتها إلى عمل غيره من شيطان أو إنسان، و كذا حكم غيره من حيث انتسابه إليه تعالى و إلى غيره.
فقد تبين من جميع ما مر أن الأمور الصناعيّة منتسبة إلى الخلقة كاستناد الأمور الطبيعيّة من غير فرق، نعم يدور الأمر في الانتساب إلى الخلقة مدار حظّ الشيء من الوجود فافهم ذلك.٢
- راجع تفسير الميزان ج۱ ص ٩٣ ـ ۱۱۰. والبحوث المنتخبة تحت عنوان: الجبر والاختيار.
- تفسير الميزان ج۱، ص ٤۰۰ ـ ٤٤۰.
ملاحظة: هذه المقالة مقتبسة من كتاب "تفسير الميزان" للعلامة الطباطبائي (رضوان الله عليه). وقد قامت الهيئة العلمية في "مدرسة الوحي" بتحقيق النص ضمن حدود تصحيح الأخطاء الإملائية والنحوية، وإضافة العناوين أو تعديل الموجود منها (سواء من المصنّف أو المحققين) بهدف التوضيح. كما شمل العمل ترتيب الفقرات بحسب الأفكار، وإضافة هوامش توضيحية لبعض المفردات أو الأفكار الغامضة، مع الحفاظ التام على أصل المتن والإشارة الدقيقة إلى مصدره؛ وذلك لتسهيل الاستفادة من هذا السفر القيّم، واستخراج جواهره، وتسليط الضوء عليها.
