
قانون العليّة وتطور العلم
الاعتقاد بالله والجهل بعلل بعض الظواهر
هل فكرة وجود الإله هي مجرّد فرضيّة ابتكرها الإنسان البدائيّ لتفسير الظواهر الكونيّة التي يجهل أسبابها؟ ماذا لو تطوّر العلم وكشف عن جميع العلل؟ كيف يُثبت الفلاسفة الإلهيّون وجود الخالق مع إقرارهم التام بقانون العليّة الطبيعي؟ وكيف يجمع القرآن الكريم بين نسبة الأفعال إلى أسبابها الطبيعيّة والاختياريّة، وبين نسبتها إلى الله تعالى؟ وما هو الخطأ الذي وقعت فيه الكنيسة في القرون الوسطى وبعض المتكلّمين ممّا مهّد لظهور هذه الشبهة الماديّة؟
قانون العليّة وتطور العلم
5و من هذا الباب آيات أخر تجمع بين الإثباتين بطريق عام كقوله تعالى: ﴿وَ خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً﴾۱، و قال تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ إلى أن قال ﴿وَ كُلُّ صَغِيرٍ وَ كَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾٢، و قال تعالى: ﴿قَدْ جَعَلَ اَللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً﴾٣، و قال تعالى: ﴿وَ إِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَ مَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾٤، فإنّ تقدير كلّ شيء هو جعله محدودًا بحدود العلل الماديّة و الشرائط الزمانيّة و المكانيّة.
و بالجملة فكون إثبات وجود الإله الواحد في القرآن على أساس إثبات العليّة و المعلوليّة بين جميع أجزاء العالم، ثمّ استناد الجميع إلى الإله الفاطر الصانع للكلّ مما لا يعتريه شكّ و لا ريب، لا كما يزعمه هؤلاء من إسناد البعض إلى الله و إسناد الآخر إلى علله الماديّة المعلومة، و هذا ثالثًا.
الدافع إلى هذه الشبهة
نعم حملهم على هذا الزعم ما تلقّوه من جمع من أرباب النحل الباحثين عن هذه المسألة و أمثالها في فلسفة عاميّة كانت تنشرها الكنيسة في القرون الوسطى. أو يعتمد عليها الضعفاء من متكلّمي الأديان الأخرى و كانت مؤلّفه من مسائل محرّفة ما هي بالمسائل، و احتجاجات و استدلالات واهية فاقدة لاستقامة النظر، فهؤلاء لمّا أرادوا بيان دعواهم الحقّ الذي تقضي بصحّته إجمالاً عقولهم، و نقله من الإجمال إلى التفصيل دفعهم ضعف التعقّل و الفكر إلى غير الطريق فعمّموا الدعوى، و توسّعوا في الدليل، فحكموا باستناد كلّ معلول مجهول العلّة إلى الله سبحانه من غير واسطة، و نفوا حاجة الأفعال الاختياريّة إلى علّة موجبة، أو احتياج الإنسان في صدور فعله الاختياريّ إلى الإله تعالى، و استقلاله في فعله، و قد مرّ البحث عن قولهم في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَ ما يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ اَلْفَاسِقِينَ﴾٥، و نورد هاهنا بعض ما فيه من الكلام٦.
مشكلة بعض المسلمين
و طائفة منهم ـ و هم بعض المحدّثين و المتكلّمين من ظاهريي المسلمين و جمع من غيرهم ـ لم يقدروا أن يتعقّلوا معنى صحيحًا لإسناد أفعال الإنسان الاختياريّة إلى الله سبحانه على ما يليق بالمقام الربوبيّ فنفوا استناد مصنوعات الإنسان إليه سبحانه، و بالخصوص فيما وضعه للمعصية خاصّة كالخمر و آلات اللهو و القمار و غير ذلك، و قد قال تعالى: ﴿إِنَّمَا اَلْخَمْرُ وَ اَلْمَيْسِرُ وَ اَلْأَنْصَابُ وَ اَلْأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ اَلشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾۷. و معلوم أنّ ما عدّه الله سبحانه عملاً للشيطان لا يجوز أن ينسب إليه.
- سورة الفرقان، الآية ٢.
- سورة القمر، الآية ٥٣.
- سورة الطلاق، الآية ٣.
- سورة الحجر، الآية ٢١.
- سورة البقرة، الآية ٢٦.
- راجع تفسير الميزان ج۱ ص ٩٣ ـ ۱۱۰. والبحوث المنتخبة تحت عنوان: الجبر والاختيار.
- سورة المائدة، الآية٩٠.
