ما هما النوعان الأساسيّان لعلوم الإنسان؟ وما هو معيار الصواب في كلّ منهما ومتى تسمّى خرافة؟ وما هو سبب تبنّي الخرافة؟ هل تختصّ الخرافة بالشرقيّين دون الغربيّين؟ ما هي أهمّ خرافات الحضارة المعاصرة؟ أليس نفي ما وراء الحسّ اعتمادًا على الحسّ خرافة؟ أوليس جعل الفرد فداء للمجتمع خرافة؟ وهل صحيح أنّ الدين يرجع إلى العهد الثاني من عهود تطوّر البشريّة؟ يعالج العلاّمة الطباطبائي هذه المسائل في هذا البحث المنتخب من تفسيره العظيم.
ثلاث خرافات في الحضارة المعاصرة
6أليس معنى بل أحياء ولكن لا تشعرون هو بقاء الذكر؟
[وأمّا]۱ قوله تعالى: ﴿وَ لاَ تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اَللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَ لَكِنْ لاَتَشْعُرُونَ﴾ (الآية)٢، ربّما يقال: إنّ الخطاب مع المؤمنين الذين آمنوا بالله و رسوله و اليوم الآخر و أذعنوا بالحياة الآخرة، و لا يتصوّر منهم القول ببطلان الإنسان بالموت، بعد ما أجابوا دعوة الحقّ و سمعوا شيئًا كثيرًا من الآيات الناطقة بالمعاد، مضافًا إلى أنّ الآية إنّما تثبت الحياة بعد الموت في جماعة مخصوصين، و هم الشهداء المقتولون في سبيل الله، في مقابل غيرهم من المؤمنين، و جميع الكفّار، مع أنّ حكم الحياة بعد الموت عامّ شامل للجميع فالمراد بالحياة بقاء الاسم، و الذكر الجميل على مرّ الدهور، و بذلك فسّره جمع من المفسرين.
و يردّه أوّلاً: أنّ كون هذه حياة إنّما هو في الوهم فقط دون الخارج، فهي حياة تخيّلية ليس لها في الحقيقة إلا الاسم، و مثل هذا الموضوع الوهميّ لا يليق بكلامه، و هو تعالى يدعو إلى الحقّ و يقول: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ اَلْحَقِّ إِلاَّ اَلضَّلاَلُ﴾٣ ، و أما الذي سأله إبراهيم في قوله: ﴿وَ اِجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي اَلْآخِرِينَ﴾ ٤فإنما يريد به بقاء دعوته الحقة، و لسانه الصادق بعده، لا حسن ثنائه و جميل ذكره بعده فحسب.
نعم هذا القول الباطل، و الوهم الكاذب إنما يليق بحال الماديين، و أصحاب الطبيعة، فإنهم اعتقدوا: مادية النفوس و بطلانها بالموت و نفوا الحياة الآخرة، ثمّ أحسوا باحتياج الإنسان بالفطرة إلى القول ببقاء النفوس و تأثّرها بالسعادة و الشقاء، بعد موتها في معالي أمور، لا تخلو في الارتقاء إليها من التفدية والتضحية، لا سيّما في عظائم العزائم التي يموت و يقتل فيها أقوام ليحيا و يعيش آخرون، و لو كان كلّ من مات فقد فات لم يكن داع للإنسان ـ و خاصّة إذا اعتقد بالموت و الفوت ـ أن يُبطل ذاته ليبقيَ ذات آخرين، و لا باعث له أن يحرم على نفسه لذة الاستمتاع من جميع ما يقدر عليه بالجور ليتمتّع آخرون بالعدل، فالعاقل لا يعطي شيئًا إلا و يأخذ بدله، و أما الإعطاء من غير بدل، و الترك من غير أخذ، كالموت في سبيل حياة الغير، و الحرمان في طريق تمتّع الغير فالفطرة الإنسانيّة تأباه، فلمّا استشعروا بذلك دعاهم جبر هذا النقص إلى وضع هذه الأوهام الكاذبة، التي ليس لها موطن إلا عرصة الخيال و حظيرة الوهم، قالوا إنّ الإنسان الحرّ من رقّ الأوهام و الخرافات يجب عليه أن يفدي بنفسه وطنه، أو كلّ ما فيه شرفه، لينال الحياة الدائمة بحسن الذكر و جميل الثناء، و يجب عليه أن يحرم على نفسه بعض تمتّعاته في الاجتماع ليناله الآخرون، ليستقيم أمر الاجتماع و الحضارة، و يتمّ العدل الاجتماعيّ فينال بذلك حياة الشرف و العلاء.
- أضيفت هذه الكلمة لربط الكلام بما قبله وليست من الأصل. (م)
- سورة البقرة، الآية ۱٥٤.
- سورة يونس، الآية ٣٢.
- سورة الشعراء، الآية ٨٤.

