ما هما النوعان الأساسيّان لعلوم الإنسان؟ وما هو معيار الصواب في كلّ منهما ومتى تسمّى خرافة؟ وما هو سبب تبنّي الخرافة؟ هل تختصّ الخرافة بالشرقيّين دون الغربيّين؟ ما هي أهمّ خرافات الحضارة المعاصرة؟ أليس نفي ما وراء الحسّ اعتمادًا على الحسّ خرافة؟ أوليس جعل الفرد فداء للمجتمع خرافة؟ وهل صحيح أنّ الدين يرجع إلى العهد الثاني من عهود تطوّر البشريّة؟ يعالج العلاّمة الطباطبائي هذه المسائل في هذا البحث المنتخب من تفسيره العظيم.
ثلاث خرافات في الحضارة المعاصرة
3التقليد و اتباع الخرافة
العلوم النظريّة والعمليّة عند الإنسان ومعنى الخرافة
الآراء و العقائد التي يتّخذها الإنسان إمّا نظريّة لا تعلّق لها بالعمل من غير واسطة كالمسائل المتعلّقة بالرياضيّات و الطبيعيّات و ما وراء الطبيعة، و إما عمليّة متعلقة بالعمل بلا واسطة كالمسائل المتعلّقة بما ينبغي فعله و ما لا ينبغي.
و السبيل في القسم الأول هو اتّباع العلم و اليقين المنتهي إلى برهان أو حسّ، و في القسم الثاني اتباع ما يوصل إلى الخير الذي فيه سعادة الإنسان أو النافع فيها، و اجتناب ما ينتهي إلى شقائه أو يضرّه في سعادته، و أما الاعتقاد بما لا علم له بكونه حقًّا في القسم الأول، و الاعتقاد بما لا يعلم كونه خيرًا أو شرًّا فهو اعتقاد خرافي.
لماذا يخضع الإنسان للخرافة؟
و الإنسان لمّا كانت آراؤه منتهية إلى اقتضاء الفطرة الباحثة عن علل الأشياء و الطبيعة الباعثة له إلى الاستكمال بما هو كماله حقيقة، فإنّه لا تخضع نفسه إلى الرأي الخرافيّ المأخوذ على العمياء و جهلاً، إلا أنّ العواطف النفسانيّة و الإحساسات الباطنيّة التي يثيرها الخيال ـ و عمدتها الخوف و الرجاء ـ ربّما أوجبت له القول بالخرافة من جهة أنّ الخيال يصوّر له صورًا تستصحب خوفًا أو رجاء فيحفظها إحساس الخوف أو الرجاء، و لا يدعها تغيب عن النفس الخائفة أو الراجية، كما أنّ الإنسان إذا أحلّ
واديًا ـ و هو وحده بلا أنيس و الليل داج مظلم و البصر حاسر عن الإدراك ـ فلا مؤمّن يؤمّنه [بتمييز] المخاطر من غيرها بضياء و نحوه، فترى أنّ خياله يصوّر له كل شبح يترائى له غولاً مهيبًا يقصده بالإهلاك أو روحًا من الأرواح، و ربّما صوّر له حركة و ذهابًا و إيابًا و صعودًا في السماء و نزولاً إلى الأرض، و أشكالاً و تماثيل، ثمّ لا يزال الخيال يكرّر له هذا الشبه المجعول كلّما ذكره و حاله حاله من الخوف، ثمّ ربّما نقله لغيره فأوجد فيه حالاً نظير حاله و لا يزال ينتشر، و هو موضوع خرافيّ لا ينتهي إلى حقيقة.

