
التفكير الاجتماعيّ للوصول إلى الحقّ
غلبة الحقّ في نهاية المطاف
كيف راعى الإسلام طبيعة البشر الاجتماعية في تشريعاته وعقائده؟ وما أسباب اختلاف الناس في فهم الدين، وكيف عالجها القرآن؟ هل يكفل الإسلام حرية التفكير والبحث بعيداً عن القمع؟ وكيف تختلف هذه الرؤية عن تجارب الأمم السابقة؟ وأخيراً، هل حقاً سيطوي الدين الحق مسيرة البشرية ليحكم العالم بأسره في النهاية؟ تكتشفون إجابات هذه التساؤلات العميقة في هذا البحث الاجتماعيّ القيّم للعلّامة الطباطبائي.
التفكير الاجتماعيّ للوصول إلى الحقّ
5٣ـ البعد وعدم وصول المعارف
و إمّا أن يكون الاختلاف من جهة العوامل الخارجيّة كبعد الدار و عدم بلوغ المعارف الدينيّة إلا يسيرة أو محرّفة أو قصور فهم الإنسان عن تعقّل الحقائق الدينيّة تعقّلاً صحيحًا كالجربزة و البلادة المستندتين إلى خصوصيّة المزاج. و علاجه تعميم التبليغ و الإرفاق في الدعوة و التربية، و هذان من خصائص السلوك التبليغي في الإسلام، قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اَللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَ مَنِ اِتَّبَعَنِي﴾۱، ومن المعلوم أنّ البصير بالأمر يعرف مبلغ وقوعه في القلوب و أنحاء تأثيراته المختلفة باختلاف المتلقّين و المستمعين، فلا يبذل أحد إلا مقدار ما يعيه منه، و قد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على ما رواه الفريقان: إنا معاشر الأنبياء نكلم الناس على قدر عقولهم، و قال تعالى: ﴿فَلَوْ لاَ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي اَلدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾٢، فهذه جمل ما يتّقى به وقوع الاختلاف في العقائد أو يعالج به إذا وقع.
و قد قرّر الإسلام لمجتمعه دستورًا اجتماعيًّا فوق ذلك يقيه عن دبيب الاختلاف المؤدّي إلى الفساد والانحلال، فقد قال تعالى: ﴿وَ أَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَ لاَ تَتَّبِعُوا اَلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾٣ فبيّن أنّ اجتماعهم على اتباع الصراط المستقيم وتحذّرهم عن اتباع سائر السبل يحفظهم عن التفرّق و يحفظ لهم الاتحاد و الاتفاق، ثم قال: ﴿يَا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اَللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَ لاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ وَ اِعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اَللَّهِ جَمِيعاً وَ لاَ تَفَرَّقُوا﴾٤ و قد مرّ أنّ المراد بحبل الله هو القرآن المبيّن لحقائق معارف الدين، أو هو و الرسول صلّى الله عليه وآله و سلم على ما يظهر من قوله تعالى قبله: ﴿يَا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ وَ كَيْفَ تَكْفُرُونَ وَ أَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اَللَّهِ وَ فِيكُمْ رَسُولُهُ وَ مَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾٥.
- سورة يوسف، الآية ١٠٨.
- سورة التوبة، الآية ١٢٢.
- سورة الأنعام، الآية ١٥٣.
- سورة آل عمران، الآية ١٠٣.
- سورة آل عمران، الآية ١٠١.
