
التفكير الاجتماعيّ للوصول إلى الحقّ
غلبة الحقّ في نهاية المطاف
كيف راعى الإسلام طبيعة البشر الاجتماعية في تشريعاته وعقائده؟ وما أسباب اختلاف الناس في فهم الدين، وكيف عالجها القرآن؟ هل يكفل الإسلام حرية التفكير والبحث بعيداً عن القمع؟ وكيف تختلف هذه الرؤية عن تجارب الأمم السابقة؟ وأخيراً، هل حقاً سيطوي الدين الحق مسيرة البشرية ليحكم العالم بأسره في النهاية؟ تكتشفون إجابات هذه التساؤلات العميقة في هذا البحث الاجتماعيّ القيّم للعلّامة الطباطبائي.
التفكير الاجتماعيّ للوصول إلى الحقّ
4۱ـ اختلاف الأخلاق
إما إلى اختلاف الأخلاق النفسانيّة و الصفات الباطنة من الملكات الفاضلة و الرديّة فإن لها تأثيرًا وافرًا في العلوم و المعارف الإنسانيّة من حيث الاستعدادات المختلفة التي تودعها في الذهن، فما إدراك الإنسان المنصف و قضاؤه الذهنيّ كإدراك الشموس المتعسّف، و لا نيل المعتدل الوقور للمعارف كنيل العجول و المتعصّب و صاحب الهوى و الهمجيّ الذي يتّبع كلّ ناعق و الغويّ الذي لا يدري أين يريد و لا أنى يراد به. و التربية الدينيّة تكفي مئونة هذا الاختلاف فإنّها موضوعة على نحو يلائم الأصول الدينيّة من المعارف و العلوم، و تستولد من الأخلاق ما يناسب تلك الأصول و هي مكارم الأخلاق قال تعالى: ﴿كِتَاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسىَ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى اَلْحَقِّ وَ إِلىَ طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾۱ و قال تعالى: ﴿يَهْدِي بِهِ اَللَّهُ مَنِ اِتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ اَلسَّلاَمِ وَ يُخْرِجُهُمْ مِنَ اَلظُّلُمَاتِ إِلَى اَلنُّورِ بِإِذْنِهِ وَ يَهْدِيهِمْ إِلى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾٢ و قال تعالى: ﴿وَ اَلَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَ إِنَّ اَللَّهَ لَمَعَ اَلْمُحْسِنِينَ﴾٣ و انطباق الآيات على مورد الكلام ظاهر.
٢ـ اختلاف الأفعال
و إمّا أن يرجع إلى اختلاف الأفعال، فإنّ الفعل المخالف للحقّ كالمعاصي و أقسام التهوّسات الإنسانيّة، و من هذا القبيل أقسام الإغواء و الوساوس يلقّن الإنسان و خاصّة العاميّ الساذج الأفكار الفاسدة ويعدّ ذهنه لدبيب الشبهات و تسرّب الآراء الباطلة فيه، و تختلف إذ ذاك الأفهام و تتخلّف عن اتباع الحقّ! و قد كفى مئونة هذا أيضًا الإسلام حيث أمر المجتمع بإقامة الدعوة الدينيّة دائمًا أوّلاً، و كلّف المجتمع بالأمر بالمعروف و النهي عن المنكر ثانيًا، و أمر بهجرة أرباب الزيغ و الشبهات ثالثًا. قال تعالى:
﴿وَ لْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى اَلْخَيْرِ وَ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ اَلْمُنْكَرِ﴾ (الآية) ٤ فالدعوة إلى الخير تستثبت الاعتقاد الحقّ و تقرّه في القلوب بالتلقين و التذكير، و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر يمنعان من ظهور الموانع من رسوخ الاعتقادات الحقّة في النفوس، و قال تعالى: ﴿وَ إِذَا رَأَيْتَ اَلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَ إِمَّا يُنْسِيَنَّكَ اَلشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ اَلذِّكْرى مَعَ اَلْقَوْمِ اَلظَّالِمِينَ وَ مَا عَلَى اَلَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَ لَكِنْ ذِكْرىَ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ وَ ذَرِ اَلَّذِينَ اِتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَ لَهْواً وَ غَرَّتْهُمُ اَلْحَيَاةُ اَلدُّنْيَا وَ ذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ﴾ (الآيات)٥، ينهى الله تعالى عن المشاركة في الحديث الذي فيه خوض في شيء من المعارف الإلهيّة و الحقائق الدينيّة بشبهة أو اعتراض أو استهزاء و لو بنحو الاستلزام أو التلويح، و يذكر أنّ ذلك من فقدان الإنسان أمر الجدّ في معارفه، و أخذه بالهزل و اللعب و اللهو، و أنّ منشأه الاغترار بالحياة الدنيا، و أنّ علاجه التربية الصالحة و التذكير بمقامه تعالى.
- سورة الأحقاف، الآية ٣٠.
- سورة المائدة، الآية ١٦.
- سورة العنكبوت، الآية ٦٩.
- سورة آل عمران، الآية ١٠٤.
- سورة الأنعام، الآية ٧٠.
