
الوطن حدوده والغاية من حمايته
رؤية الإسلام حول القوميّة والوطنيّة
ما هو الأساس الذي يبني عليه الإسلام مجتمعه مقابل المجتمعات البشريّة الأخرى؟ ولماذا ألغى الإسلام الانقسامات القوميّة والوطنيّة؟ وما هو مفهوم الوطن في الإسلام وما هي حدوده؟ وما الفرق بين التضحية في الإسلام وفي النظرة الماديّة ولماذا تُعدّ “خرافة” وفق الأخيرة؟ وما سبب ابتداع الماديّين لها؟ وهل الحياة المذكورة للشهداء في القرآن تعني “الذكر الجميل”؟ وما الضامن الحقيقي والوحيد للأخلاق الفاضلة، ولماذا لا يكفي فيها “حب الوطن”؟ وهل دعا الإسلام إلى فداء المجتمع والوطن لأجل بقاء الذكر وارتفاع شأن المجتمع أم من أجل الوصول إلى ما عند الله من الثواب الباقي؟ أسئلة يجيب عنها العلاّمة الطباطبائي رضوان الله عليه في مواضع مختلفة من تفسير الميزان.
الوطن حدوده والغاية من حمايته
5و يردّه:
حياة الذكر حياة وهميّة
أوّلاً: أنّ كون هذه حياةً إنّما هو في الوهم فقط دون الخارج، فهي حياة تخيّلية ليس لها في الحقيقة إلا الاسم، و مثل هذا الموضوع الوهميّ لا يليق بكلامه، و هو تعالى يدعو إلى الحقّ و يقول: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ اَلْحَقِّ إِلاَّ اَلضَّلاَلُ﴾۱، و أما الذي سأله إبراهيم في قوله: ﴿وَ اِجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي اَلْآخِرِينَ﴾٢، فإنّما يريد به بقاء دعوته الحقّة، و لسانه الصادق بعده، لا حسن ثنائه و جميل ذكره بعده فحسب.
حاجة المادّيين إلى هذا الوهم دون المعتقدين بالمعاد
نعم هذا القول الباطل، و الوهم الكاذب إنما يليق بحال المادّيين، و أصحاب الطبيعة، فإنّهم اعتقدوا: مادية النفوس و بطلانها بالموت و نفوا الحياة الآخرة ثمّ أحسوا باحتياج الإنسان بالفطرة إلى القول ببقاء النفوس و تأثرها بالسعادة و الشقاء، بعد موتها في معالي أمور، لا تخلو في الارتقاء إليها من التفدية والتضحية، لا سيما في عظائم العزائم التي يموت و يقتل فيها أقوام ليحيا و يعيش آخرون، و لو كان كلّ من مات فقد فات لم يكن داع للإنسان (و خاصة إذا اعتقد بالموت و الفوت) أن يبطل ذاته ليبقى ذات آخرين، و لا باعث له أن يحرم على نفسه لذة الاستمتاع من جميع ما يقدر عليه بالجور ليتمتع آخرون بالعدل، فالعاقل لا يعطي شيئًا إلا و يأخذ بدله و أما الإعطاء من غير بدل، و الترك من غير أخذ، كالموت في سبيل حياة الغير، و الحرمان في طريق تمتّع الغير فالفطرة الإنسانيّة تأباه، فلمّا استشعروا بذلك دعاهم جبر هذا النقص إلى وضع هذه الأوهام الكاذبة، التي ليس لها موطن إلا عرصة الخيال و حظيرة الوهم، قالوا إنّ الإنسان الحرّ من رقّ الأوهام و الخرافات يجب عليه أن يفدي بنفسه وطنه، أو كلّ ما فيه شرفه، لينال الحياة الدائمة بحسن الذكر و جميل الثناء، و يجب عليه أن يحرّم على نفسه بعض تمتّعاته في الاجتماع ليناله الآخرون، ليستقيم أمر الاجتماع و الحضارة، و يتمّ العدل الاجتماعي فينال بذلك حياةَ الشرف والعلاء.
- سورة يونس، الآية ٣٢.
- سورة الشعراء، الآية ٨٤.
