
الوطن حدوده والغاية من حمايته
رؤية الإسلام حول القوميّة والوطنيّة
ما هو الأساس الذي يبني عليه الإسلام مجتمعه مقابل المجتمعات البشريّة الأخرى؟ ولماذا ألغى الإسلام الانقسامات القوميّة والوطنيّة؟ وما هو مفهوم الوطن في الإسلام وما هي حدوده؟ وما الفرق بين التضحية في الإسلام وفي النظرة الماديّة ولماذا تُعدّ “خرافة” وفق الأخيرة؟ وما سبب ابتداع الماديّين لها؟ وهل الحياة المذكورة للشهداء في القرآن تعني “الذكر الجميل”؟ وما الضامن الحقيقي والوحيد للأخلاق الفاضلة، ولماذا لا يكفي فيها “حب الوطن”؟ وهل دعا الإسلام إلى فداء المجتمع والوطن لأجل بقاء الذكر وارتفاع شأن المجتمع أم من أجل الوصول إلى ما عند الله من الثواب الباقي؟ أسئلة يجيب عنها العلاّمة الطباطبائي رضوان الله عليه في مواضع مختلفة من تفسير الميزان.
الوطن حدوده والغاية من حمايته
7ففيما كان للإنسان مثلاً تمتّع في إماتة حقّ من حقوق الغير و لا رادع يردعه و لا مجازي يجازيه و لا لائم معاتب يلومه و يعاتبه، فأيّ مانع يمنعه من اقتراف الخطيئة و ارتكاب المظلمة و إن عظمت ما عظمت؟! و أمّا ما يتوّهم ـ و كثيرًا ما يخطئ فيه الباحث ـ من الروادع المختلفة كالتعلّق بالوطن و حبّ النوع والثناء الجميل و نحو ذلك فإنّما هي عواطف قلبيّة و نزوعات باطنيّة لا سببَ حافظًا عليها إلا التعليم و التربية من غير استنادها إلى السبب الموجب، فهي إذن أوصاف اتفاقيّة و أمور عاديّة لا مانع معها يمنع من زوالها، فلماذا يجب على الإنسان أن يفدي بنفسه غيره ليتمتع بالعيش بعده و هو يرى أنّ الموت فناء وبطلان؟! و الثناء الجميل إنما هو في لسان آخرين و لا لذّة يلتذّ به الفادي بعد بطلان ذاته.
و بالجملة لا يرتاب المتفكّر البصير في أنّ الإنسان لا يقدم على حرمان لا يرجع إليه فيه جزاء و لا يعود إليه منه نفع، و الذي يعده و يمنّيه في هذه الموارد ببقاء الذكر الحسن و الثناء الجميل الخالد و الفخر الباقي ببقاء الدهر فإنّما هو غرور يغترّ به و خدعة ينخدع بها بهيجان إحساساته و عواطفه، فيخيّل إليه أنّه بعد موته و بطلان ذاته حاله كحاله قبل موته، فيشعر بذكره الجميل فيلتذّ به، و ليس ذلك إلا من غلط الوهم كالسكران يتسخّر بهيجان إحساساته فيعفو و يبذل من نفسه و عرضه و ماله أو كلّ كرامة له ما لا يقدم عليه لو صحا و عقل، و هو سكران لا يعقل و يعدّ ذلك فتوّة و هو سفه و جنون.
فهذه العثرات و أمثالها مما لا حصن للإنسان يتحصّن فيه منها غير التوحيد الذي ذكرناه، و لذلك وضع الإسلام الأخلاق الكريمة التي جعلها جزءًا من طريقته الجارية على أساس التوحيد الذي من شؤونه القول بالمعاد، و لازمه أن يلتزم الإنسان بالإحسان و يجتنّب الإساءة أينما كان و متى ما كان سواء عُلم به أو لم يُعلم، و سواء حمِدَه حامد أو لم يحمِد، و سواء كان معه من يحمله عليه أو يردعه عنه أو لم يكن؛ فإنّ معه الله العليم الحفيظ القائم على كلّ نفس بما كسبت، و وراءه يوم تجد كلّ نفس ما عملت من خير محضرًا و ما عملت من سوء، و فيه تجزى كل نفس بما كسبت.۱
- تفسير الميزان ج٤ ، ص ۱۰۸ ـ ۱۱٢.
