
نظام الحكم بين الإسلام وغيره
شريعةٌ تتجاوزُ الزَّمان
هل يمكنُ لقوانين نزلت قبل أربعة عشر قرنًا أن تُديرَ حياة الإنسان في عصر الذكاء الاصطناعيّ والتعقيد المدنيّ؟ وكيف يمكن لشريعةٍ خاطبت مجتمعًا بسيطًا أن تلبّي احتياجات مجتمعاتنا المعاصرة المتشابكة؟ وما الفرق بين نظام الحكم في الإسلام وغيره؟ تُجيب هذه المقالة، المقتبسة بنصِّها من تفسير الميزان، على هذا التساؤل العميق، وتكشف عن الفلسفة التي تجعل من الشريعة الإسلاميَّة نظامًا حيويًّا وصالحًا لكلِّ زمان. سنغوص في الفرق الجوهريّ بين المبادئ الثابتة والتطبيقات المتغيّرة، ونستكشف طبيعة الحُكم في الإسلام والأنظمة الملكيَّة والماديَّة الحديثة.
نظام الحكم بين الإسلام وغيره
6٣. القوَّة التنفيذيَّة بيد الجميع
ومنها أنَّ القوَّة المجرية في الإسلام ليست هي طائفة متميّزة في المجتمع، بل تعمُّ جميع أفراد المجتمع، فعلى كلِّ فرد أن يدعو إلى الخير ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر. وهناك فروق أخر لا تخفى على الباحث المتتبِّع.
ولايةُ الأمر بعد عصر النبوَّة
هذا كلُّه في حياة النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم، وأمَّا بعده فالجمهور من المسلمين على أنَّ انتخاب الخليفة الحاكم في المجتمع إلى المسلمين، والشيعة من المسلمين على أنَّ الخليفة منصوص من جانب الله ورسوله، وهم اثنا عشر إمامًا على التفصيل المودوع في كتب الكلام. ولكن على أيّ حال أمر الحكومة الإسلاميَّة بعد النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم وبعد غيبة الإمام كما في زماننا الحاضر إلى المسلمين من غير إشكال، والذي يمكن أن يستفاد من الكتاب في ذلك أنَّ عليهم تعيين الحاكم في المجتمع على سيرة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، وهي سُنَّة الإمامة دون الملوكيَّة والإمبراطوريَّة۱، والسير فيهم بحفاظة الأحكام من غير تغيير، والتولِّي بالشورى في غير الأحكام من حوادث الوقت والمحلِّ كما تقدَّم، والدليل على ذلك كلِّه جميع ما تقدَّم من الآيات في ولاية النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم مضافة إلى قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اَللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾٢و٣
- لم يبسط المرحوم العلاّمة الطباطبائي الكلام في كيفيّة نظام الحكم في عصر الغيبة، واكتفى بهذا المقدار من البيان ولم يبيّن كيف يعيّن الحاكم على سنّة الإمامة دون الملوكيّة والامبراطوريّة، ولمزيد من التفصيل في هذا المجال انظر كتاب ولاية الفقيه في حكومة الإسلام ج۱ـ ٤) تأليف تلميذه المرحوم العلاّمة الطهراني رضوان الله عليه. (م)
- سورة الأحزاب، الآية ٢١.
- تفسير الميزان ج٤ ۱٢۰ـ ۱٢٥.
ملاحظة: هذه المقالة مقتبسة من كتاب "تفسير الميزان" للعلامة الطباطبائي (رضوان الله عليه). وقد قامت الهيئة العلمية في "مدرسة الوحي" بتحقيق النص ضمن حدود تصحيح الأخطاء الإملائية والنحوية، وإضافة العناوين أو تعديل الموجود منها (سواء من المصنّف أو المحققين) بهدف التوضيح. كما شمل العمل ترتيب الفقرات بحسب الأفكار، وإضافة هوامش توضيحية لبعض المفردات أو الأفكار الغامضة، مع الحفاظ التام على أصل المتن والإشارة الدقيقة إلى مصدره؛ وذلك لتسهيل الاستفادة من هذا السفر القيّم، واستخراج جواهره، وتسليط الضوء عليها.
