انقطع الاتصال بالخادم. جارٍ إعادة المحاولة...

يتعذّر إنشاء الاتصال.

تم رفض الاتصال من قبل الخادم.

جارٍ التحميل...
00:00:00
صورة
إضافة للمفضلة

الدنيا والآخرة، الحريّة والتطور في المجتمع الإسلاميّ

مفاهيم إسلاميّة في مواجهة الشُّبُهات الماديّة

0
الجلسات

هل السَّعيُ لرضا الله يتعارضُ مع تحقيق طموحاتنا في الحياة؟ وهل الإيمانُ بالآخرة يعني بالضَّرورة التَّخلّي عن الدُّنيا؟ وما هي حقيقةُ الحرِّيَّة الَّتي ينادي بها الإسلام، هل هي الانفلاتُ من كلِّ قيدٍ أم التَّحرُّر من عبوديّة الهوى؟ وكيف يمكن لمجتمعٍ أن يتكامل ويزدهر وهو يستندُ إلى مبادئ ثابتةٍ، وما هو السَّبيلُ إلى ذلك التَّحوُّل الاجتماعيّ المنشود؟ يجيبُ هذا البحثُ المستلُّ من تفسير الميزان عن هذه الشُّبُهات الماديّة المعاصرة، ويضعُ أُسسًا واضحةً لفهم هذه المفاهيم المحوريّة.

الدنيا والآخرة، الحريّة والتطور في المجتمع الإسلاميّ

4
  • وأما الإسلام فقد وضع قانونه على أساس التوحيد كما عرفت، ثمّ في المرتبة التالية على أساس الأخلاق الفاضلة، ثمّ تعرّض لكلّ يسير وخطير من الأعمال الفرديّة والاجتماعيّة كائنة ما كانت. فلا شيء ممّا يتعلّق بالإنسان أو يتعلّق به الإنسان إلا وللشرع الإسلاميّ فيه قدم أو أثر قدم، فلا مجال ولا مظهر للحريّة بالمعنى المتقدّم فيه.

  • نعم، للإنسان فيه الحرية عن قيد عبوديّة غير الله سبحانه. وهذا وإن كان لا يزيد على كلمة واحدة، غير أنّه وسيع المعنى عند من بحَث بحْث تعمّق في السنّة الإسلاميّة والسيرة العمليّة التي تندب إليها وتقرّها بين أفراد المجتمع وطبقاته، ثمّ قاس ذلك إلى ما يشاهَد من سنن السؤدد والسيادة والتحكّمات في المجتمعات المتمدّنة بين طبقاتها وأفرادها أنفسها، وبين كلّ أمّة قويّة وضعيفة.

  • وأما من حيث الأحكام، فالتوسعة فيما أباحه الله من طيّبات الرزق ومزايا الحياة المعتدلة من غير إفراط أو تفريط. قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اَللَّهِ اَلَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَ اَلطَّيِّبَاتِ مِنَ اَلرِّزْقِ﴾۱ (الآية). وقال تعالى: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي اَلْأَرْضِ جَمِيعاً﴾٢. وقال تعالى: ﴿وَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي اَلسَّمَاوَاتِ وَ مَا فِي اَلْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ﴾٣.

  • هل تدلّ آية ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي اَلدِّينِ﴾ على حريّة الرأي والعقيدة؟

  • ومن عجيب الأمر ما رامه بعض الباحثين والمفسّرين وتكلّف فيه من إثبات حريّة العقيدة في الإسلام بقوله تعالى: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي اَلدِّينِ﴾٤، وما يشابهه من الآيات الكريمة.

  • وقد مرّ البحث التفسيريّ عن معنى الآية في سورة البقرة٥، والذي نضيف إليه هاهنا أنّك عرفت أنّ التوحيد أساس جميع النواميس الإسلاميّة. ومع ذلك كيف يمكن أن يشرّع حرية العقائد؟ وهل ذلك إلا التناقض الصريح؟ فليس القول بحريّة العقيدة إلا كالقول بالحريّة عن حكومة القانون في القوانين المدنيّة بعينه.

  • وبعبارة أخرى، العقيدة ـ بمعنى حصول إدراك تصديقيّ ينعقد في ذهن الإنسان ـ ليس عملًا اختياريًّا للإنسان حتّى يتعلّق به منع أو تجويز أو استعباد أو تحرير. وإنّما الذي يقبل الحظر والإباحة هو الالتزام بما تستوجبه العقيدة من الأعمال كالدعوة إلى العقيدة وإقناع الناس بها وكتابتها ونشرها، وإفساد ما عند الناس من العقيدة والعمل المخالفَين لها، فهذه هي التي تقبل المنع والجواز. ومن المعلوم أنّها إذا خالفت موادَّ قانونٍ دائرٍ في المجتمع أو الأصل الذي يتكئ عليه القانون، لم يكن مناص من منعها من قبل القانون. 

    1. سورة الأعراف، الآية: ٣٢.
    2. سورة البقرة، الآية ٢٩.
    3. سورة الجاثية، الآية ۱٣.
    4. سورة البقرة، الآية ٢٥٦.
    5.  تفسير الميزان ج۲، ص ٣٤٣: و في قوله تعالى: ﴿لا إِكْراه فِي الدِّينِ﴾ نفى الدين الإجباري، لما أنّ الدين و هو سلسلة من المعارف العلميّة التي تتبعها أخرى عملية يجمعها أنها اعتقادات، و الاعتقاد و الإيمان من الأمور القلبية التي لا يحكم فيها الإكراه و الإجبار، فإن الإكراه إنما يؤثر في الأعمال الظاهرية و الأفعال و الحركات البدنية المادية، و أما الاعتقاد القلبي فله علل و أسباب أخرى قلبية من سنخ الاعتقاد و الإدراك، و من المحال أن ينتج الجهل علما، أو تولد المقدمات غير العلمية تصديقا علميا، فقوله: ﴿لا إِكْراه فِي الدِّينِ﴾،إن كان قضية إخبارية حاكية عن حال التكوين أنتج حكما دينيا بنفي الإكراه على الدين و الاعتقاد، و إن كان حكما إنشائيا تشريعيا كما يشهد به ما عقبه تعالى من قوله: ﴿قدْ تبيّن الرُّشْدُ مِن الْغيِّ﴾،كان نهيا عن الحمل على الاعتقاد و الإيمان كرها، و هو نهي متك على حقيقة تكوينية، و هي التي مر بيانها أن الإكراه إنما يعمل و يؤثر في مرحلة الأفعال البدنية دون الاعتقادات القلبية. و قد بين تعالى هذا الحكم بقوله: ﴿قدْ تبيّن الرُّشْدُ مِن الْغيِّ﴾، و هو في مقام التعليل فإن الإكراه و الإجبار إنما يركن إليه الآمر الحكيم و المربّي العاقل في الأمور المهمّة التي لا سبيل إلى بيان وجه الحقّ فيها لبساطة فهم المأمور و رداءة ذهن المحكوم، أو لأسباب و جهات أخرى، فيتسبّب الحاكم في حكمه بالإكراه أو الأمر بالتقليد و نحوه، و أما الأمور المهمة التي تبين وجه الخير و الشر فيها، و قرر وجه الجزاء الذي يلحق فعلها و تركها فلا حاجة فيها إلى الإكراه، بل للإنسان أن يختار لنفسه ما شاء من طرفي الفعل و عاقبتي الثواب و العقاب، و الدين لما انكشفت حقائقه و اتضح طريقه بالبيانات الإلهية الموضحة بالسنة النبوية فقد تبين أن الدين رشد و الرشد في اتباعه، و الغي في تركه و الرغبة عنه، و على هذا لا موجب لأن يكره أحد أحدا على الدين. 
      و هذه إحدى الآيات الدالة على أن الإسلام لم يبتن على السيف و الدم، و لم يفت بالإكراه و العنوة على خلاف ما زعمه عدة من الباحثين من المنتحلين و غيرهم أن الإسلام دين السيف استدلوا عليه: بالجهاد الذي هو أحد أركان هذا الدين. 
      و قد تقدم الجواب عنه في ضمن البحث عن آيات القتال و ذكرنا هناك (تفسير الميزان ج٢، ص ٦۷ وص ٣۱۱) أن القتال الذي ندب إليه الإسلام ليس لغاية إحراز التقدم و بسط الدين بالقوّة و الإكراه، بل لإحياء الحقّ و الدفاع عن أنفس متاع للفطرة و هو التوحيد، و أمّا بعد انبساط التوحيد بين الناس وخضوعهم لدين النبوة و لو بالتهوّد والتنصّر فلا نزاع لمسلم مع موحّد و لا جدال، فالإشكال ناش عن عدم التدبّر.