
الدنيا والآخرة، الحريّة والتطور في المجتمع الإسلاميّ
مفاهيم إسلاميّة في مواجهة الشُّبُهات الماديّة
هل السَّعيُ لرضا الله يتعارضُ مع تحقيق طموحاتنا في الحياة؟ وهل الإيمانُ بالآخرة يعني بالضَّرورة التَّخلّي عن الدُّنيا؟ وما هي حقيقةُ الحرِّيَّة الَّتي ينادي بها الإسلام، هل هي الانفلاتُ من كلِّ قيدٍ أم التَّحرُّر من عبوديّة الهوى؟ وكيف يمكن لمجتمعٍ أن يتكامل ويزدهر وهو يستندُ إلى مبادئ ثابتةٍ، وما هو السَّبيلُ إلى ذلك التَّحوُّل الاجتماعيّ المنشود؟ يجيبُ هذا البحثُ المستلُّ من تفسير الميزان عن هذه الشُّبُهات الماديّة المعاصرة، ويضعُ أُسسًا واضحةً لفهم هذه المفاهيم المحوريّة.
الدنيا والآخرة، الحريّة والتطور في المجتمع الإسلاميّ
3ومن هنا يظهر أنّ أفراد المجتمع الإسلاميّ هم السعداء بحقيقة السعادة في الدنيا وفي الآخرة، وأنّ غايتهم، وهو ابتغاء وجه الله في الأعمال، لا تزاحم سائر الغايات الحيويّة إذا ظهرت واستوثرت.۱
شبهة: إقامة العدالة الاجتماعيّة هي الدين فمن أقامها استغنى عنه
ومن هنا يظهر أيضًا فساد توهّم آخر، وهو الذي ذكره جمع من علماء الاجتماع من الباحثين، أنّ حقيقة الدين والغرض الأصلي منه هو إقامة العدالة الاجتماعيّة والعباديّات فروع متفرّعة عليها، فالذي يقيمها فهو على الدين ولو لم يتلبّس بعقيدة ولا عبوديّة.٢
والباحث المتدبّر في الكتاب والسنّة، وخاصّة في السيرة النبويّة، لا يحتاج في الوقوف على بطلان هذا التوهّم إلى مئونة زائدة وتكلّف استدلال على أنّ هذا الكلام، الذي يتضمّن إسقاط التوحيد وكرائم الأخلاق من مجموعة النواميس الدينيّة، فيه إرجاع للغاية الدينيّة التي هي كلمة التوحيد إلى الغاية المدنيّة التي هي التمتّع. وقد عرفت أنهما غايتان مختلفتان لا ترجع إحداهما إلى الأخرى، لا في أصلها ولا في فروعها وثمراتها.٣
٩. ما معنى الحرية في الإسلام؟
تاريخ مصطلح الحريّة
كلمة الحريّة، على ما يراد بها من المعنى، لا يتجاوز عمرها في دورانها على الألسن عدّة قرون. ولعلّ السبب المبتدع لها هي النهضة المدنيّة الأوروبيّة قبل بضعة قرون، لكنّ معناها كان جائيًا في الأذهان وأمنية من أماني القلوب منذ أعصار قديمة.
سبب الرغبة في الحريّة
والأصل الطبيعيّ التكوينيّ الذي ينتشي منه هذا المعنى هو ما تجهّز به الإنسان في وجوده من الإرادة الباعثة إيّاه على العمل، فإنّها حالة نفسيّة في إبطالها إبطال الحسّ والشعور المنجرّ إلى إبطال الإنسانيّة.
غير أنّ الإنسان لمّا كان موجودًا اجتماعيًّا تسوقه طبيعته إلى الحياة في المجتمع، وإلقاء دلوه في الدلاء بإدخال إرادته في الإرادات وفعله في الأفعال، المنجرّ إلى الخضوع لقانون يعدّل الإرادات والأعمال بوضع حدود لها. فالطبيعة التي أعطته إطلاق الإرادة والعمل هي بعينها تحدّد الإرادة والعمل، وتقيّد ذلك الإطلاق الابتدائيّ والحريّة الأوليّة.
حدود الحريّة بين الحضارة الماديّة والإسلام
والقوانين المدنيّة الحاضرة، لمّا وضعت بناء أحكامها على أساس التمتّع الماديّ كما عرفت، أنتج ذلك حريّة الأمة في أمر المعارف الأصليّة الدينيّة من حيث الالتزام بها وبلوازمها، وفي أمر الأخلاق وفي ما وراء القوانين من كلّ ما يريده ويختاره الإنسان من الإرادات والأعمال. فهذا هو المراد بالحرية عندهم.
- وخلاصة الشبهة: أنّ طلب الأجر واللجوء إلى الله يتنافى مع طلب الحياة الدنيا ومعاشها وأسبابه.
وخلاصة الجواب: أنّ الدين مبنيّ على أساس الفطرة والتكوين وهو قاض بمراعاة حال التكوين والواقع الخارجيّ كما هو، ولمّا كان في التكوين أسباب عديدة ماديّة فلا بدّ من مراعاتها، ولما كان وراء هذه الأسباب الماديّة سبب تنتهي إليه هو الله تعالى فلا بدّ من مراعاته أيضًا والتسليم له والعبوديّة له، فلا منافاة بين طلب الأجر الإلهيّ وطلب الدنيا لأنّ الجميع هو نحو من التعامل مع الواقع والتكوين كلّ بحسب ما يتطلّبه من التعامل والاهتمام. (م) - ومن هذه الشبهة القول الشائع لمن رأى الحضارة الغربيّة: رأيت الإسلام ولم أر المسلمين. (م)
- وخلاصة الشبهة أنّ المجتمعات التي أقامت العدالة الاجتماعيّة قد أقامت الدين ولو لم تكن لديها عقيدة وعبادة.
وخلاصة الجواب: أنّ الدين ليس هو مجرّد العدالة الاجتماعيّة بل هو عدالة اجتماعيّة واعتقاد صحيح (التوحيد) وأخلاق صحيحة (مكارم الأخلاق)، فهي جزء من الدين مع تقييدها بحدود خدمة الأهداف الإلهيّة دون كونها في خدمة الشهوات والتمتّع، والحال أنّ المجتمعات أقامتها بمعزل عن الاعتقاد والأخلاق وجعلتها في خدمة التشمتّع والشهوات. فأين هو الدين منها وأين هي من الدين؟!
- وخلاصة الشبهة: أنّ طلب الأجر واللجوء إلى الله يتنافى مع طلب الحياة الدنيا ومعاشها وأسبابه.
