
الدنيا والآخرة، الحريّة والتطور في المجتمع الإسلاميّ
مفاهيم إسلاميّة في مواجهة الشُّبُهات الماديّة
هل السَّعيُ لرضا الله يتعارضُ مع تحقيق طموحاتنا في الحياة؟ وهل الإيمانُ بالآخرة يعني بالضَّرورة التَّخلّي عن الدُّنيا؟ وما هي حقيقةُ الحرِّيَّة الَّتي ينادي بها الإسلام، هل هي الانفلاتُ من كلِّ قيدٍ أم التَّحرُّر من عبوديّة الهوى؟ وكيف يمكن لمجتمعٍ أن يتكامل ويزدهر وهو يستندُ إلى مبادئ ثابتةٍ، وما هو السَّبيلُ إلى ذلك التَّحوُّل الاجتماعيّ المنشود؟ يجيبُ هذا البحثُ المستلُّ من تفسير الميزان عن هذه الشُّبُهات الماديّة المعاصرة، ويضعُ أُسسًا واضحةً لفهم هذه المفاهيم المحوريّة.
الدنيا والآخرة، الحريّة والتطور في المجتمع الإسلاميّ
6ومن المعلوم أنّه مما لا يوجب باصطكاك ثبوته ونفيه وإنتاج رأي آخر فيه إلا انحطاط المجتمع كما بيّن مرارًا. وهذا شأن جميع الحقائق الحقّة المتعلّقة بما وراء الطبيعة، فإنكارها بأيّ وجه لا يفيد للمجتمع إلا انحطاطًا وخسّة.
والحاصل أنّ المجتمع البشري لا يحتاج في سيره الارتقائي إلاّ إلى التحوّل والتكامل يومًا فيومًا في طرق الاستفادة من مزايا الطبيعة، وهذا إنّما يتحقّق بالبحث الصناعيّ المداوم وتطبيق العمل على العلم دائمًا، والإسلام لا يمنع من ذلك شيئًا.
وأما تغيّر طريق إدارة المجتمعات وسنن الاجتماع الجارية كالاستبداد الملوكيّ والديمقراطيّة والكمونيزم۱ ونحوها، فليس بلازم إلا من جهة نقصها وقصورها عن إيفاء الكمال الإنساني الاجتماعيّ المطلوب، لا من جهة سيرها من النقص إلى الكمال. فالفرق بينها لو كان فإنّما هو فرق الغلط والصواب لا فرق الناقص والكمال. فإذا استقرّ أمر السنّة الاجتماعيّة على ما يقصده الإنسان بفطرته وهو العدالة الاجتماعيّة، واستظلّ الناس تحت التربية الجيّدة بالعلم النافع والعمل الصالح، ثمّ أخذوا يسيرون مرتاحين ناشطين نحو سعادتهم بالارتقاء في مدارج العلم والعمل ولا يزالون يتكاملون ويزيدون تمكّنًا واتساعًا في السعادة، فما حاجتهم إلى تحوّل السنّة الاجتماعيّة زائدًا على ذلك؟ ومجرّد وجوب التحوّل على الإنسان من كلّ جهة حتّى فيما لا يحتاج فيه إلى التحوّل مما لا ينبغي أن يقضي به ذو نظر وبصيرة.
شبهة ضرورة تغيّر المعتقدات بتغيّر الظروف وجوابها
فإن قلت: لا مناص من عروض التحوّل في جميع ما ذكرت أنّه مستغن عنه كالاعتقادات والأخلاق الكليّة ونحوها، فإنّها جميعًا تتغيّر بتغيّر الأوضاع الاجتماعيّة والمحيطات المختلفة ومرور الأزمنة. فلا يجوز أن ينكر أن الإنسان الجديد تغاير أفكاره أفكار الإنسان القديم، وكذا الإنسان يختلف نحو تفكّره بحسب اختلاف مناطق حياته كالأراضي الاستوائيّة والقطبيّة والنقاط المعتدلة، وكذا بتفاوت أوضاع حياته من خادم ومخدوم وبدويّ وحضريّ ومثرٍ ومعدَم وفقير وغنيّ ونحو ذلك. فالأفكار والآراء تختلف باختلاف العوامل وتتحوّل بتحوّل الأعصار بلا شكّ كائنة ما كانت.
قلت: الإشكال مبنيّ على نظريّة نسبية العلوم والآراء الإنسانيّة، ولازمها كون الحقّ والباطل والخير والشرّ أمورًا نسبيّة إضافيّة. فالمعارف الكليّة النظريّة المتعلّقة بالمبدأ والمعاد، وكذا الآراء الكليّة العمليّة كالحكم بكون الاجتماع خيرًا للإنسان وكون العدل خيرًا حكمًا كليًّا لا من حيث انطباقه على المورد، تكون أحكامًا نسبيّة متغيّرة بتغيّر الأزمنة والأوضاع والأحوال، وقد بيّنا في محله٢ فساد هذه النظرية من حيث كليتها.
- الشيوعيّة (م)
- راجع: تفسير الميزان ج۱، ص ٥۰.
