
ما الضامن لاستمرار المجتمع الإسلامي؟
فلسفة التشريع الإلهيّ
بماذا يتكوّن ويستمرّ المجتمع الإسلاميّ؟ وما الفارق الجوهريّ بين القوانين الوضعيّة الماديّة والتشريعات الإلهيّة في ضبط السلوك البشري؟ ولماذا تعجز الأنظمة البشريّة عن ضمان تطبيق قوانينها وحفظ الأخلاق؟ وكيف يكون التوحيد والإيمان بالمعاد هو الضامن الحقيقيّ لاستقرار المجتمعات؟ يُجيب العلاّمة الطباطبائي عن هذه التساؤلات في هذا البحث، مبيّناً الفروق العميقة بين غايات الاجتماع الدينيّ والمدني، ومؤصّلاً لدور العقيدة والأخلاق في تماسك المنظومة الاجتماعيّة وحمايتها من التلاشي.
ما الضامن لاستمرار المجتمع الإسلامي؟
7و بالجملة لا يرتاب المتفكّر البصير في أنّ الإنسان لا يقدم على حرمان لا يرجع إليه فيه جزاء و لا يعود إليه منه نفع، و الذي يعده و يمنّيه في هذه الموارد ببقاء الذكر الحسن و الثناء الجميل الخالد و الفخر الباقي ببقاء الدهر فإنّما هو غرور يغترّ به و خدعة ينخدع بها بهيجان إحساساته و عواطفه، فيخيّل إليه أنّه بعد موته و بطلان ذاته حاله كحاله قبل موته، فيشعر بذكره الجميل فيلتذّ به، و ليس ذلك إلا من غلط الوهم كالسكران يتسخّر بهيجان إحساساته فيعفو و يبذل من نفسه و عرضه و ماله أو كلّ كرامة له ما لا يقدم عليه لو صحا و عقل، و هو سكران لا يعقل و يعدّ ذلك فتوّة و هو سفه و جنون.
فهذه العثرات و أمثالها مما لا حصن للإنسان يتحصّن فيه منها غير التوحيد الذي ذكرناه، و لذلك وضع الإسلام الأخلاق الكريمة التي جعلها جزءًا من طريقته الجارية، على أساس التوحيد الذي من شؤونه القول بالمعاد، و لازمه أن يلتزم الإنسان بالإحسان و يجتنّب الإساءة أينما كان و متى ما كان سواء عُلم به أو لم يُعلم، و سواء حمِدَه حامد أو لم يحمِد، و سواء كان معه من يحمله عليه أو يردعه عنه أو لم يكن؛ فإنّ معه الله العليم الحفيظ القائم على كلّ نفس بما كسبت، و وراءه يوم تجد كلّ نفس ما عملت من خير محضرًا و ما عملت من سوء، و فيه تجزى كل نفس بما كسبت.۱
- تفسير الميزان ج٤ ، ص ۱۰۸ ـ ۱۱٢.
ملاحظة: هذه المقالة مقتبسة من كتاب "تفسير الميزان" للعلامة الطباطبائي (رضوان الله عليه). وقد قامت الهيئة العلمية في "مدرسة الوحي" بتحقيق النص ضمن حدود تصحيح الأخطاء الإملائية والنحوية، وإضافة العناوين أو تعديل الموجود منها (سواء من المصنّف أو المحققين) بهدف التوضيح. كما شمل العمل ترتيب الفقرات بحسب الأفكار، وإضافة هوامش توضيحية لبعض المفردات أو الأفكار الغامضة، مع الحفاظ التام على أصل المتن والإشارة الدقيقة إلى مصدره؛ وذلك لتسهيل الاستفادة من هذا السفر القيّم، واستخراج جواهره، وتسليط الضوء عليها.
- تفسير الميزان ج٤ ، ص ۱۰۸ ـ ۱۱٢.
