
ما الضامن لاستمرار المجتمع الإسلامي؟
فلسفة التشريع الإلهيّ
بماذا يتكوّن ويستمرّ المجتمع الإسلاميّ؟ وما الفارق الجوهريّ بين القوانين الوضعيّة الماديّة والتشريعات الإلهيّة في ضبط السلوك البشري؟ ولماذا تعجز الأنظمة البشريّة عن ضمان تطبيق قوانينها وحفظ الأخلاق؟ وكيف يكون التوحيد والإيمان بالمعاد هو الضامن الحقيقيّ لاستقرار المجتمعات؟ يُجيب العلاّمة الطباطبائي عن هذه التساؤلات في هذا البحث، مبيّناً الفروق العميقة بين غايات الاجتماع الدينيّ والمدني، ومؤصّلاً لدور العقيدة والأخلاق في تماسك المنظومة الاجتماعيّة وحمايتها من التلاشي.
ما الضامن لاستمرار المجتمع الإسلامي؟
6و لكنّ الإسلام بنى سنّته الجارية و قوانينه الموضوعة على أساس الأخلاق، و بالغ في تربية الناس عليها لكون القوانين الجارية في الأعمال في ضمانها و على عهدتها، فهي مع الإنسان في سرّه و علانيته، و خلوته و جلوته، تؤدّي وظيفتها و تعمل عملها أحسن ممّا يؤدّيه شرطيّ مراقب أو أيّ قوة تبذل عنايتها في حفظ النظم.
نعم تعتني المعارف العموميّة في هذه الممالك بتربية الناس على الأخلاق المحمودة، و تبذل جهدها في حضّ الناس و ترغيبهم إليها، لكن لا ينفعهم ذلك شيئًا.
أسباب عدم تأثير التربية على الأخلاق في المجتمعات الماديّة
أمّا أولاً: فلأنّ المنشأ الوحيد لرذائل الأخلاق ليس إلا الإسراف و الإفراط في التمتّع الماديّ و الحرمان البالغ فيه، و قد أعطت القوانين للناس الحريّة التامّة فيه، فأمتعت بعضًا و حرمت آخرين، فهل الدعوة إلى فضائل الأخلاق و الترغيب عليها إلا دعوة إلى المتناقضين أو طلبًا للجمع بين الضدّين؟!
على أنّ هؤلاء كما عرفت۱ يفكّرون تفكّرًا اجتماعيًّا، و لا تزال مجتمعاتهم تبالغ في اضطهاد المجتمعات الضعيفة و دحض حقوقهم، و التمتّع بما في أيديهم، و استرقاق نفوسهم، و التوسّع في التحكّم عليهم ما قدروا، و الدعوة إلى الصلاح و التقوى مع هذه الخصّيصة ليست إلا دعوة متناقضة لا تزال عقيمة.
و أما ثانيًا: فلأنّ الأخلاق الفاضلة أيضًا تحتاج في ثباتها و استقرارها إلى ضامن يضمن حفظها و كلاءتها، و ليس إلا التوحيد، أعني القول بأنّ للعالم إلهًا واحدًا ذا أسماء حسنى، خلق الخلق لغاية تكميلهم وسعادتهم، و هو يحبّ الخير و الصلاح، و يبغض الشرّ و الفساد، و سيجمع الجميع لفصل القضاء و توفية الجزاء، فيجازي المحسن بإحسانه و المسيء بإساءته. و من الواضح أن لولا الاعتقاد بالمعاد لم يكن هناك سبب أصيل رادع عن اتباع الهوى و الكفّ عن حظوظ النفس الطبيعيّة، فإنّما الطبيعة الإنسانيّة تريد وتشتهي مشتهيات نفسها لا ما ينتفع به غيرها ـ كطبيعة الفرد الآخر ـ إلا إذا رجع بنحو إلى مشتهى نفسها (أحسن التأمّل فيه).
ففيما كان للإنسان مثلاً تمتّع في إماتة حقّ من حقوق الغير و لا رادع يردعه و لا مجازي يجازيه و لا لائم معاتبٌ يلومه و يعاتبه، فأيّ مانع يمنعه من اقتراف الخطيئة و ارتكاب المظلمة و إن عظمت ما عظمت؟! و أمّا ما يتوّهم ـ و كثيرًا ما يخطئ فيه الباحث ـ من الروادع المختلفة كالتعلّق بالوطن و حبّ النوع والثناء الجميل و نحو ذلك فإنّما هي عواطف قلبيّة و نزوعات باطنيّة لا سبب حافظًا عليها إلا التعليم و التربية من غير استنادها إلى السبب الموجب، فهي إذن أوصاف اتفاقيّة و أمور عاديّة لا مانع معها يمنع من زوالها، فلماذا يجب على الإنسان أن يفدي بنفسه غيره ليتمتّع بالعيش بعده و هو يرى أنّ الموت فناء وبطلان؟! و الثناء الجميل إنما هو في لسان آخرين و لا لذّة يلتذّ به الفادي بعد بطلان ذاته.٢
- الميزان ج٤ ص ۱۰٥. والبحث المنتتخب تحت عنوان: هل الدين قابل للتطبيق في المجتمع؟ (٢).
- راجع حول هذه الفكرة أيضًا الميزان ج۱ ص ٤٢۱ ـ ٤٢٤، والبحثين المنتخبين تحت عنوان: ثلاث خرافات في الحضارة المعاصرة، وتحت عنوان: الوطن مفهومه والواجب نحوه (م)
