
ما الضامن لاستمرار المجتمع الإسلامي؟
فلسفة التشريع الإلهيّ
بماذا يتكوّن ويستمرّ المجتمع الإسلاميّ؟ وما الفارق الجوهريّ بين القوانين الوضعيّة الماديّة والتشريعات الإلهيّة في ضبط السلوك البشري؟ ولماذا تعجز الأنظمة البشريّة عن ضمان تطبيق قوانينها وحفظ الأخلاق؟ وكيف يكون التوحيد والإيمان بالمعاد هو الضامن الحقيقيّ لاستقرار المجتمعات؟ يُجيب العلاّمة الطباطبائي عن هذه التساؤلات في هذا البحث، مبيّناً الفروق العميقة بين غايات الاجتماع الدينيّ والمدني، ومؤصّلاً لدور العقيدة والأخلاق في تماسك المنظومة الاجتماعيّة وحمايتها من التلاشي.
ما الضامن لاستمرار المجتمع الإسلامي؟
4الفارق بين المجتمع الإسلاميّ والماديّ في الغاية وأثره على طريقة التقنين
و بالجملة الاجتماعات المدنيّة توحِّدها الغاية الواحدة التي هي التمتّع من مزايا الحياة الدنيا و هي السعادة عندهم.
لكنّ الإسلام لمّا كان:
ـ يرى أنّ الحياة الإنسانيّة أوسع مدارًا من الحياة الدنيا الماديّة بل في مدار حياتِه الحياةَ الأخرويّةَ التي هي الحياة؛
ـ و يرى أنّ هذه الحياة لا تنفع فيها إلا المعارف الإلهيّة التي تنحلّ بجملتها إلى التوحيد؛
ـ و يرى أنّ هذه المعارف لا تنحفظ إلا بمكارم الأخلاق و طهارة النفس من كلّ رذيلة؛
ـ و يرى أنّ هذه الأخلاق لا تتمّ و لا تكمل إلا بحياة اجتماعيّة صالحة معتمدة على عبادة الله سبحانه والخضوع لما تقتضيه ربوبيّته، و معاملة الناس على أساس العدل الاجتماعي؛
أخذ ـ أعني الإسلام ـ الغاية التي يتكوّن عليها المجتمع البشريّ و يتوحّدُ بها، دينَ التوحيد، ثمّ وضع القانون الذي وضعه على أساس التوحيد، و لم يكتف فيه بتعديل۱ الإرادات و الأفعال فقط بل تمّمه بالعباديّات، و أضاف إليها المعارف الحقّة و الأخلاق الفاضلة.
ثمّ جعل ضمان إجرائها في عهدة الحكومة الإسلاميّة أوّلاً، ثمّ في عهدة المجتمع ثانيًا، و ذلك بالتربية الصالحة علمًا و عملاً و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر.
سريان روح التوحيد في الأخلاق وروح الأخلاق في الأعمال المطلوبة في الإسلام
و من أهمّ ما يشاهد في هذا الدين ارتباط جميع أجزائه ارتباطًا يؤدّي إلى الوحدة التامّة بينها، بمعنى أنّ روح التوحيد سارية في الأخلاق الكريمة التي يندب إليها هذا الدين، و روح الأخلاق منتشرة في الأعمال التي يكلف بها أفراد المجتمع، فالجميع من أجزاء الدين الإسلامي ترجع بالتحليل إلى التوحيد، والتوحيد بالتركيب يصير هو الأخلاق و الأعمال، فلو نزل لكان هي و لو صعدت لكانت هو، ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَ الْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾.٢
اعتراض: لا فرق بين القانون الوضعيّ والإسلامي من حيث تعرّضهما لعصيان أتباعهما
فإن قلت: ما أورد من النقض على القوانين المدنيّة فيما إذا عصت القوّة المجرية عن إجرائها أو فيما يخفى عليها من الخلاف مثلاً وارد بعينه على الإسلام، و أوضح الدليل عليه ما نشاهده من ضعف الدين وزوال سيطرته على المجتمع الإسلامي، و ليس إلا لفقدانه من يحمل نواميسه على الناس يومًا!
- في الأصل: على تعديل. (م)
- سورة فاطر، مقطع من الآية ۱۰.
