
هل الدين قابل للتطبيق في المجتمع (2)
نقد الديمقراطيّة والأخلاق في الغرب
هل اتّباع الأكثريّة قانون طبيعي يُبرّر الاستغناء عن الحقّ، أم أنّ الحقّ واقع ثابت لا يخضع لأهواء الأغلبية؟ وهل حقّقت الحضارة الغربية السعادة الحقيقيّة، أم أنّنا نخطئ بتقييم أخلاقيّاتها عبر “النظرة الفرديّة”، متجاهلين المنهج القرآني الذي يعتمد “النظرة الاجتماعيّة” لتقييم الأمم ككيان واحد؟ وكيف تتجلّى شخصيّة الغرب الاجتماعيّة عند احتكاكه بالشعوب الضعيفة واستعبادها بعيداً عن شعاراتها البراقة؟ مناقشة نقدية للعلامة الطباطبائي لتفكيك شبهة الأكثريّة، وتقييم المدنية الغربية بمنظار يكشف الفجوة العميقة بين شعاراتها الإنسانية وواقعها التاريخي.
هل الدين قابل للتطبيق في المجتمع (۲)
4رابعًا: مناقشة دعوى تحقيق الحضارة الغربية للسعادة ولتهذيب أبنائها
و أما قولهم: إنّ المدنيّة الحاضرة سمحت للممالك المترقّية بسعادة المجتمع و هذّبت الأفراد وطهّرتهم عن الرذائل التي لا يرتضيها المجتمع، فكلام غير خال من الخلط و الاشتباه.
مفهوم السعادة بين الحضارتين الغربيّة والإسلاميّة
و كأنّ مرادهم من السعادة الاجتماعيّة تفوّق المجتمع في عدّته و قوّته و تعاليه في استفادته من المنابع الماديّة۱، و قد عرفت كرارًا أنّ الإسلام لا يعدّ ذلك سعادة، و البحث البرهانيّ أيضًا يؤيّده، بل السعادة الإنسانيّة أمر مؤلّف من سعادة الروح و البدن، و هي تنعّم الإنسان من النعم الماديّة و تحلّيه بفضائل الأخلاق و المعارف الحقّة الإلهيّة، و هي التي تضمن سعادته في الحياة الدنيا و الحياة الأخرى، و أمّا الانغمار في لذائذ المادّة مع إهمال سعادة الروح فليس عنده إلا شقاء.
هل هذّبت الحضارة الغربيّة أبناءها حقًّا؟!
و أما استعجابهم بما يرون من الصدق و الصفاء و الأمانة و البِشْرِ و غير ذلك فيما بين أفراد الملل المترقّية، فقد اختلط عليهم حقيقة الأمر فيه.
مقدّمات توضيحيّة في كيفيّة تقييم الأفراد
۱ـ سبب الخطأ في تقييمهم هو النظرة الفرديّة دون الاجتماعيّة
و ذلك أنّ جلّ المتفكّرين من باحثينا معاشر الشرقيّين لا يقدرون على التفكّر الاجتماعيّ، و إنّما يتفكّرون تفكّرًا فرديًّا؛ فالذي يراه الواحد منّا نصب العين أنّه موجود إنسانيّ مستقلّ عن كلّ الأشياء، غير مرتبط بها ارتباطًا يبطل استقلاله الوجوديّ، مع أنّ الحقّ خلافه، ثمّ لا يتفكّر في حياته إلا لجلب المنافع إلى نفسه و دفع المضارّ عن نفسه، فلا يشتغل إلا بشأن نفسه و هو التفكّر الفردي. و يستتبع ذلك أن يقيس غيره على نفسه فيقضي فيه بما يقضي على هذا النحو من الاستقلال.٢
و هذا القضاء إن صحّ فإنّما يصحّ فيمن يجري في تفكّره هذا المجرى، و أمّا من يتفكّر تفكّرًا اجتماعيًّا ليس نصب عينيه إلا أنّه جزء غير منفكّ و لا مستقلّ عن المجتمع، و أنّ منافعه جزء من منافع مجتمعه، يرى خير المجتمع خير نفسه، و شرّه شرّ نفسه، و كلّ وصف و حال له وصفًا و حالاً لنفسه، فهذا الإنسان يتفكّر نحوًا آخر من التفكّر٣، و لا يُشتغل في الارتباط بغيره إلا بمن هو خارج عن مجتمعه، و أما اشتغاله بأجزاء مجتمعه فلا يُهتمّ به و لا يقدِّره شيئًا.٤
- أي المصادر والموادّ الأوليّة. (م)
- أي يحاكم غيره بناء على النظرة الفرديّة التي تنظر إلى الإنسان وكأنّه مستقلّ عن مجتمعه ويقيّم بمعزل عنه. (م)
- راجع حول هذه الفكرة الميزان ج۱ ص ٤٢۱ـ ٤٢٤ والبحث المنتخب تحت عنوان: ثلاث خرافات في الحضارة المعاصرة.
- والمعنى أنّ تقييم الإنسان الذي ينظر إلى نفسه نظرة اجتماعيّة ـ وهو الإنسان الغربيّ في موضع كلامنا الآن ـ ويرى خير المجتمع خير نفسه وشرّه شرّ نفسه هذا التقييم إنّما يتمّ من خلال كيفيّة ارتباط هذا الإنسان بمن هم خارج مجتمعه، أمّا كيفيّة ارتباطه بمن هم جزء من مجتمعه فهي لا تعدّ معيارًا للتقييم؛ لأنّه غالبًا يكون حسن العلاقة معهم. وهذا واضح من المثال الذي سيذكره. (م)
